ذكرت دراسة إحصائية تحليلية حديثة، أن عدد المتحدرين من أصل فلسطيني؛ المنتشرين في فلسطين التاريخية وكافة جهات الدنيا، يفوق 25 مليون نسمة.
أعدّت الدراسة تحت إشراف جمعية «كلنا لفلسطين»، التي أسسها الدكتور طلال أبو غزالة في باريس عام 2011. وفي معرض التفسير، أوضح أبو غزالة الأسلوب العلمي الذي أوصل إلى هذه النتيجة،..
وموجزه الاعتماد على بيانات حكومة الانتداب، التي قدرت عدد الفلسطينيين عام 1948 بنحو 1.3 مليون، ثم احتساب زيادتهم في سنوات ما بعد النكبة، قياسا بمتوسطات التكاثر السكاني في السنوات اللاحقة، لدى دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والسودان..
نحن بصدد تقدير إحصائي يبدو غير مألوف، وربما مبالغ فيه. فجهود مركز الإحصاء الفلسطيني، التابع لمنظمة التحرير، تؤكد أن عدد الفلسطينيين في الوطن والملاجئ يراوح راهنا حول 11.5 مليون نفس، لا أكثر، وعليه قد تثير نتيجة هذه الدراسة جدلا أكاديميا وسياسا..
لكن ما يعنينا أكثر في هذا المقام، هو الهدف الذي تتوخاه جمعية أبو غزالة وصحبه النجباء، ومؤداه «إعداد مرجع شامل عن إبداعات الفلسطينيين، وتوفير ملتقى للمبدعين منهم في مختلف المجالات، كالعلوم والآداب والفنون وقطاعات الأعمال والرياضة والمال والاقتصاد..
وصولا إلى التعريف بدور الفلسطينيين ومساهماتهم في البلدان التي يعشون فيها، وتأثيرهم في الحضارة الإنسانية». وإذا جاز الحكم المسبق على مآلات هذا التوجه، قلنا إن الجمعية والقائمين عليها سوف يقفون على حصيلة إيجابية ومشرفة بامتياز. فالنكبة الفلسطينية الممتدة وتداعياتها المأساوية، امتحنت الفلسطينيين وصهرت معدنهم، وساقتهم سوقا إلى إنتاج أفضل ما يمكن لأسوياء البشر أن يبلغوه.
واعتمادا على منهج الملاحظة، ثمة موجبات للاعتقاد بأن الكثيرين من أبناء هذا الشعب تمكنوا من تحويل المحنة إلى منحة، حتى أنهم ابتكروا في مختلف أنساق التقدم الإنساني، معززين موقع شعبهم ومواقع الشعوب التي استضافتهم، على حد سواء.
يقول المؤرخ الأشهر أرنولد توينبي، ما معناه ان مسار الحضارة الإنسانية يقوم على التحدي والاستجابة.. «فالأقوام التي تنجح في مواجهة التحديات ومعالجتها، هي فقط التي تقدر لها الديمومة والتطور ودفع التاريخ إلى الأمام».
نحن نزعم أن الفلسطينيين يقعون في طليعة أولي العزم من الشعوب، الذين استجابوا لتحديات تنوء بحملها الجبال، وأن فيهم من يستحقون المنافسة على القمم، إذا ما تعلق الأمر بإنجاز الكثير من مسوغات التقدم الحضاري.
ومن شأن هذه القناعات أن تثير غضب العناصر والقوى المشبعة أرواحهم بالأحاسيس والمشاعر الإنسانية الحقة، فالشعب الفلسطيني الذي يستحوذ على ملكات الاستجابة لأعتى التحديات والاختبارات، يقف منذ عشرات السنين على أعتاب العالم بقواه الفاعلة وقوانينه وتنظيماته، منتظرا «التفضل» عليه بالاستقلال والدولة، رغم أهليته الطبيعية لهما وجدارته بهما.
كل المؤشرات والمعطيات الموصولة بمقومات التقدم والارتقاء الحضاري، موجودة بوفرة بين يدي الفلسطينيين. وبغض النظر عن الصحة العلمية لإحصاء جمعية أبو غزالة أو غيرها من المنتديات والمؤسسات ذات الاجتهادات المماثلة، فلا مراء في أن الدولة التي ينشدها الكفاح الفلسطيني سوف تشكل إضافة حقيقية ملموسة إلى قوام الحضارة الإنسانية.
نحاجج بذلك وفي الخاطر أن القوى العالمية، الموصوفة بالتحضر، تسامحت مع، وساعدت على، قيام دولة كإسرائيل، كان انبعاثها عبئا على العالم ونذير شؤم على مستويات كثيرة،..
وتهديدا بيِّنا للسلم والأمن الدوليين. بصيغة أخرى؛ كان وجود إسرائيل وما زال سببا جوهريا في إشعال فتن وحروب أدمت وجه «الشرق الأوسط»، وكاد في غير مناسبة ومرحلة أن يسوق الخلق أجمعين إلى حرب عالمية. ويقيننا أن قيام فلسطين الدولة، بخصائص شعبها، سيؤدي إلى العكس.
قريبا، سوف يطلب الفلسطينيون من مجلس الأمن اصدار قرار أممي واضح تجاه قيام دولتهم، طبقا لحدود جغرافية وسياسة وزمنية صارمة وواجبة التطبيق. عندئذ، سيخضع المجلس لتحدي الاختيار بين التهيؤ جديا لاستقبال هذه الدولة الواعدة حضاريا، وبين البقاء أسير الوضع الراهن الذي يؤكد أن العالم المتحضر، وليس الشرق الأوسط فقط، تنقصه دولة اسمها فلسطين.