كيف تجرؤ السويد على اتخاذ مثل هذه الخطوة الخطيرة؟ كيف تسمح لنفسها بهدم كل المحرمات وتجاوز كل الخطوط الحمر والمحاذير المعلنة والخفية، وتجهر باعترافها الصريح بالدولة الفلسطينية المستقلة؟ لا بد من عقاب فوري وحاسم، ولكن كيف يمكن للكيان الصهيوني أن يعاقب دولة أوروبية قوية وراقية بحجم السويد؟ لا بد من البحث عن الحلقة الأضعف لضربها في مقتل، والحيلولة دون اتخاذ خطوات مماثلة تلوح في الأفق.
وكما هي العادة، الحلقة الأضعف هي الفلسطينيون، ولكن الظروف هذه المرة تختلف مع ظهور تطورات إقليمية ودولية قد تصب في صالح الطرف الفلسطيني، ما استفز الحكومة الصهيونية التي لجأت إلى التصعيد في القدس والأقصى الشريف.
وما يحدث من قوات الاحتلال حالياً هو سيناريو معاد ومكرر، كثيراً ما افتعلته سلطات الاحتلال الإسرائيلية للهروب من استحقاقات عاجلة أو لضرب عملية السلام في الصميم.
والحقيقة أنه لم يكن هناك ما يستدعي مثل هذا التصعيد واللجوء إلى هذه العدوانية، اللهم إلا تلك الإنجازات السياسية التي حققها الفلسطينيون في الأسابيع الأخيرة، وجعلت إسرائيل مطالبة بخطوات تساعد على إقامة السلام الشامل والعادل، وليس هدمه.
أما الانتصارات التي حققها الفلسطينيون فإنها بالتأكيد ليست حربية، لأن القدرات العسكرية بين الجانبين لا علاقة لها بالتوازن، ولكن خلال العدوان الأخير على قطاع غزة قد يبدو أن إسرائيل حققت ما كانت تسعى إليه من تدمير البنية التحتية للقطاع، والتخلص من منظومات الصواريخ في حوزة حماس، وتدمير المصانع والورش التي قد تكون لها علاقة بالأسلحة الفلسطينية، إلا أنها خسرت على صعيدين: الأول تثبيت اللحمة الفلسطينية، والتأكد من أن الاعتداءات الإسرائيلية قد تنال كثيراً من القدرات المادية الفلسطينية ولكنها أبداً لا تنال من إرادة وعزيمة الفلسطينيين.
والثاني: خسارة إسرائيل أخلاقياً ومعنوياً على الصعيد العالمي، حتى في مناطق نفوذها التقليدية، إلى الحد الذي ظهرت فيه مؤشرات قوية على إمكانية فتح تحقيقات دولية ضد إسرائيل ومساءلة قيادات إسرائيلية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
تلك التحولات جعلت الفلسطينيين في موقف أفضل كثيراً على الصعيد الدولي، حيث كسبوا مزيداً من التعاطف العالمي انعكس في تطورات عدة لا تخطئها العين، بداية من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي دانت إسرائيل بشكل واضح، ثم مؤتمر إعادة إعمار غزة الذي عقد في القاهرة وحقق نجاحاً كبيراً بمشاركة عالمية غير مسبوقة، وبتعهدات والتزامات دولية بتقديم مساعدات متنوعة للفلسطينيين تصل قيمتها إلى نحو ستة مليارات دولار.
وهذا تأكيد جديد على أن الاعتداءات الإسرائيلية مهما بلغت همجيتها، فإن هناك أطرافاً أخرى مستعدة لتقديم التعويض والدعم اللازمين، ما يجعل إعادة البناء أمراً ممكناً، والأهم هذه الرسالة القوية بأن القضية الفلسطينية تحظى بالدعم الدولي الذي يجعلها حية في الأذهان وعلى الساحات العالمية.
وارتبطت بذلك تحولات سياسية إيجابية من جانب عدد من الدول الأوروبية على طريق الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، مثل السويد وبريطانيا وإسبانيا، وإبداء دول أوروبية أخرى استعدادها للسير على نفس النهج.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن هناك كتلة ضخمة من الدول في قارات العالم المختلفة تعترف فعلا بالدولة الفلسطينية، أو على الأقل تساند حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، فهذا يعني أن الشعب الفلسطيني يسير على الطريق الصحيح، وأنه يستطيع في ظل الظروف الدولية والإقليمية الراهنة أن يحقق ما لم يحققه بالسلاح، من خلال إدارة حملة دبلوماسية وسياسية جادة.
هذه التطورات تستفز إسرائيل وتسحب من تحت أقدامها بساط الذرائع المزعومة التي طالما استندت إليها لنسف مفاوضات وجهود السلام، خصوصاً ادعاءها الدائم بعدم وجود شريك للسلام، واللجوء للعنف من جانب فصائل فلسطينية، ولكن التحولات الأخيرة أسقطت تلك الذرائع، وجاءت المصالحة الفلسطينية ثم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، كخطوات تضيف الكثير إلى رصيد العمل الفلسطيني الوحدوي، مع استشعار خطورة وحساسية الظرف التاريخي الذي يفرض تحركاً مسؤولاً لصالح القضية.
وقد سبقت الإشارة إلى خسائر إسرائيل على الصعيد العالمي نتيجة همجيتها في عدوانها على غزة، ثم الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية المستقلة، وداخلياً شروع الفلسطينيين في العمل الوطني المشترك وإنهاء حالة الانقسام والفرقة، أما إقليمياً فالحرب على الإرهاب يفترض أنها تصب في خانة مصالح القضية الفلسطينية، لحاجة الأطراف الدولية والإقليمية إلى وضع حد للاعتداءات الإسرائيلية، لتوحيد الصفوف في الحرب على الإرهاب.
الساحة إذاً، مهيأة لتحركات فلسطينية قوية مدعومة بتلك الإيجابيات، وهي بالتأكيد تطورات مهمة تضع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو في مأزق كبير، وهي التي تعاني بالفعل أزمة واضحة في كيفية التعامل مع تلك التطورات المتلاحقة، فليس غريباً إذاً، أن تفتش في دفاترها القديمة لتستدعي هذه الهمجية المألوفة والمتكررة من جانب الحكومات الإسرائيلية، بتفجير الموقف داخل القدس والمسجد الأقصى الشريف على وجه الخصوص، وهي تعلم وتدرك جيداً حساسية تلك المسألة، ليس للفلسطينيين وحدهم ولكن أيضاً للعالمين العربي والإسلامي.
ومن ثم يسهل تفجير الموقف أمنياً وسياسياً عبر تلك البوابة، بإقحام قطعان المستوطنين وقوات الاحتلال إلى ساحات وباحات الأقصى الشريف، لإجهاض كل الطموحات والإنجازات التي حققها الفلسطينيون أخيراً، وسط توقعات بمزيد من الثمار في المرحلة المقبلة.
الشيء المؤسف الآن هو ما حدث يوم الجمعة الماضي في غزة من تفجير بيوت قادة من حركة فتح، وإجهاض احتفالات تأبين الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في الذكرى العاشرة لرحيله.
ومن الواضح أن حماس اختارت هي الأخرى طريق التصعيد لتفجير الموقف، وكأنها بذلك تلتقي مع الكيان الصهيوني في نقطة مصالح واحدة، حتى ولو كان ذلك على جثث الأشقاء، فقط لإثبات الوجود والبقاء كرقم صعب في معادلة التسوية.