سياسات قوضت الاعتدال

ت + ت - الحجم الطبيعي

بدأت الثورة السورية بحراك سلمي ومعتدل، ولم تطلب شيئاً غير إصلاح يقوده أهل السلطة عموماً وبشار الأسد شخصياً، لاعتقاد السوريين أنه إصلاحي كبحه الفاسدون من أهل السلطة، وأن ثورتهم ضد هؤلاء ستحرره وتجلبه إلى صفهم.

وقد كان واضحا منذ بداية الثورة، أن بلوغ الحرية يرتبط بالمدى الزمني للأحداث، وأن استمرار الثورة لفترة طويلة يخدم التطرف الذي ترعاه السلطة، وسينمو حتما كرد فعل على عنفها، الذي سيجبرهم على التخلي عن نزعتهم السلمية واللجوء إلى السلاح دفاعا عن وجودهم.

بما أن سياسة النظام قامت على استخدام قدر مفرط جدا من العنف، يحول ثورة سلمية هدفها الحرية إلى اقتتال مذهبي وطائفي، فإن نجاحها ارتبط بإحلال قيادة متطرفة وعنيفة محل قيادة الحراك السلمي والمدني، المعتدلة.

ثمة عامل خارجي لعب دورا مهما في تحول الثورة، هو طريقة أميركا في إدارة الأزمة السورية، وإطالتها لفترة تكفي لتصفية حساباتها الدولية والإقليمية بدماء السوريين، الذين انطمرت ثورتهم تحت ركام صراعات خارجية معقدة.

وتراجع فيها الاعتدال لمصلحة التطرف، خاصة عقب تحديد خطوط حمراء أميركية منعت أي طرف منخرط في الصراع من تخطيها أو الخروج عليها، لإطالة الصراع والحيلولة دون حسمه لصالح النظام أو المعارضة، مع ما تطلبته هذه الخطوط من تحكم دقيق في تزويد الجيش الحر بحاجته من العتاد والذخائر والتمويل.

ومن مصادرة للقرار الوطني السوري المستقل، وترك أبواب البلاد مفتوحة أمام المتطرفين الذين ظل السلاح يصلهم بوفرة، خاصة بعد شروعهم في مقاتلة الجيش الحر، ومساعدة النظام على استعادة توازنه بعد سلسلة هزائم تعرض لها طيلة خمسة أشهر بين نهاية 2012 ومطلع 2013، ظهر بعدها تنظيم "داعش"

وشرع يحتل المناطق الحرة ويقضي على فصائل الجيش الحر واحدا بعد آخر، إلى أن أفرغ شمال سوريا من معظمها وحصر هذا الجيش بين فكي كماشة كونتها قواته وجيش النظام، الذي رمم معنوياته المنهارة وأعاد تنظيم صفوفه بمساعدة إقليمية ودولية، وبدأ سلسلة هجمات منسقة ضد وسط سوريا عامة، ومناطق القلمون ومدينة حمص وضواحيها خاصة.

ورغم اختلال موازين وعلاقات القوى لصالح النظام والمتطرفين، أصرت واشنطن على متابعة سياستها، مع أنها لعبت دورا مهما في مساعدة النظام على إطالة الصراع وتحويل ثورة الحرية إلى اقتتال مذهبي، وتراجع وتهميش يومي لقوى الاعتدال، بالقتل العمد أو بانضمام أعداد متزايدة منها إلى التطرف تحت وطأة الجوع ونقص السلاح والذخيرة.

ورغبة مقاتليها في مقاتلة النظام إلى جانب التنظيمات التي كانت تحاربه بفاعلية، على عكس الجيش الحر، "جيش المعتدلين"، الذي أخذ يفتقر أكثر فأكثر للسلاح والطعام والتمويل.

ويعجز عن تأمين مستلزمات مقاتليه، ويتفرج على قواه البشرية وهي تتعرض لغواية تكفيريين استغلوا تدني السوية السياسية المدنية للمقاتلين، وأقنعوهم باستحالة الانتصار على النظام إن بقي الصراع ضده مقتصرا على نيل الحرية.

كانت واشنطن تضعف المعتدلين، وتستغل إضعافهم للامتناع عن تسليحهم، وجعلهم عرضة لمزيد من الضعف.

واليوم، بعد أن لعبت سياساتها دورا خطيرا ضد هؤلاء، أخذت تدعي أنها تبحث عنهم فلا تجدهم، وقررت رفض التعامل مع من يوجدون منهم داخل سوريا، لكونهم غير موثوقين (رغم أنهم بمئات الآلاف)، والبحث عن مقاتلين بين شبان المخيمات الذين ليست لديهم ارتباطات سياسية أو دينية! ترى، أين ستجد هؤلاء في شعب مؤمن يخوض ثورة سياسية منذ قرابة أربعة أعوام؟!

بعد تهميش المعتدلين، الذين انفردوا بالساحة فترة طويلة بعد الثورة، وما زال حضورهم قويا داخل سوريا وخارجها، تنتقل واشنطن اليوم إلى طور يتخطى الثورة السورية، هو طور محاربة الإرهاب.

وبما أنها تبحث عن قوات برية تقاتل بدلا عن جنودها، فقد أخذت تقصر الاعتدال على شبان المخيمات، ليصيروا وقود حرب ليست حربهم ولا مصلحة لشعبهم فيها، بينما تطيل تشردهم وتكثف موت من بقي من أحبائهم حيا بالبراميل المتفجرة والغازات السامة.

تتباكى واشنطن على المعتدلين وتسوغ سياستها السورية بخلو الساحة منهم، كأنها بريئة مما تعرضوا له من تهميش منظم يرقى إلى مستوى التآمر، وتبحث عن ذريعة لمواقفها حيال حق الشعب السوري في الحياة.. أيها الاعتدال، كم من جرائم ارتكبت باسمك ضد الحرية وطالبيها!

طباعة Email