حقائق وراء متاعب الأميركيين

كنت في سياتل مؤخراً، لتهنئة النقابات ومنظمي المجتمع، الذين ساعدوا في فرض الحد الأدنى للأجور، وهو 15 دولاراً للساعة، ويجب على المدن والولايات الأخرى اتباع سياتل في هذا الصدد.

وخلافاً لتوقعات المعارضين لهذا الحد الأدنى، فإن ارتفاع معدلاته لن يكلف سياتل عناء إيجاد وظائف جديدة. في الواقع، سيضع ذلك مزيداً من المال في أيدي العمال من ذوي الأجور المتدنية، الذين سينفقون على الأرجح كل ما يملكون تقريباً في المتاجر المجاورة، وهذا بدوره سيخلق فرص عمل.

ويعتقد المحافظون أن الاقتصاد يعمل بطريقة أفضل إذا امتلك الأغنياء مالاً وفيراً وامتلك الباقون مالاً أقل، لكنهم على خطأ، فالأمر على العكس من ذلك تماماً. فالذين يوجدون الوظائف فعلياً ليسوا مديرين تنفيذيين أو شركات أو مستثمرين أثرياء، وإنما هم المنتمون إلى الطبقة الوسطى والفقراء في أميركا، الذين تؤدي مشترياتهم إلى توسيع نطاق المشروعات والاستثمار.

أثرياء أميركا أكثر غنى مما كانوا عليه في أي وقت مضى، ولدى الشركات الكبيرة سيولة تفوق ما تنفقه أي محال أخرى، وتصل أرباح الشركات إلى مستويات قياسية، ويزداد ارتقاء مستوى رواتب المديرين التنفيذيين. لكن الأثرياء لا يستثمرون في إيجاد شركات جديدة، فوفقاً لدراسة صدرت عن معهد «بروكنغز»، انخفض بين عامي 1980 و2014، معدل إنشاء مشروعات جديدة في الولايات المتحدة إلى النصف.

وذكرت وزارة التجارة الأميركية، أن الاقتصاد نما بمعدل سنوي يقدر بنحو 4.6 % في الربع الثاني من العام الحالي. معنى ذلك أن متوسط دخل الأسرة مستمر في الانخفاض، إذ يقدر حالياً بنحو 8 %، مقارنة بما كان عليه عام 2007، وعُدل بفعل التضخم، وفي معدله هذا هو أقل بنحو 11 % عن مستواه عام 2000.

وجرت العادة على أن تُحسن التوسعات الاقتصادية دخل الفئة منخفضة الرواتب، وهؤلاء يشكلون نحو 90 % من المجتمع، مقارنة بالأثرياء الذين يشكلون 10 %.

وبالتمحيص في التعافي الاقتصادي في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان عام 1982 إلى عام 1990، نجد أن عوائد النمو الاقتصادي خلال التوسعات الاقتصادية، اتجهت في الغالب إلى تلك الأقلية الثرية في أميركا. ومنذ أن بدأ التعافي الاقتصادي الحالي عام 2009، صب جميع المكاسب الاقتصادية في جيب القلة الثرية، وتدنى مستوى الباقين.

نحن في مرحلة التحسن الاقتصادي القياسي الأول، التي أصبح فيها 90 % من الأميركيين أسوأ حالاً. لكن لماذا بدأت دفة موازين التعافي الاقتصادي في عهد ريغان تميل ضد الطبقة الوسطى؟ ولماذا بدأت الأمور تميل أكثر من أي وقت مضى في ذلك الاتجاه؟

لا تلوموا العولمة، فقد استطاعت دول متقدمة أخرى مواجهة المنافسة العالمية ذاتها، والحفاظ على أجور الطبقة الوسطى، فمتوسط أجور الألمان حالياً أعلى من الأميركيين. العامل التالي المتعلق بعضوية النقابة، هو أحد الأسباب التي أدت إلى انخفاض الحد الأدنى للأجور بحدة. ففي منتصف سبعينيات القرن العشرين، تم ربط 25 % من القوى العاملة بالمشروعات الخاصة بالنقابات العمالية، ثم جاءت ثورة ريغان الاقتصادية.

وبحلول نهاية ثمانينيات القرن العشرين، كان 17 % من القوى العاملة في المشاريع الخاصة مرتبطاً بالنقابات، أما اليوم، فيرتبط أقل من 7 % من هذه القوى بالنقابات. وهذا يعني أنه لم يعد باستطاعة معظم العمال، المساومة للحصول على نسبة من مكاسب النمو.

وهناك تغيير أساسي آخر أثر في انخفاض الحد الأدنى للأجور، وهو أنه في عام 1979، تمثل ذلك الحد الأدنى للأجور في 9.67 دولارات أميركية للساعة (بقيمة الدولار عام 2013)، وبحلول عام 1990، انخفض الحد الأدنى للأجور إلى 6.84 دولارات. أما اليوم، فهو 7.25 دولارات، وهذا أقل بكثير مما كان عليه عام 1979.

الطريقة الوحيدة لتنمية الاقتصاد بصورة تعود بالفائدة على الشريحة الاجتماعية الأدنى، المُكونة لنحو 90 % من المجتمع، هي تغيير بنية الاقتصاد. ويتطلب ذلك على الأقل وجود نقابات أقوى، ومستوى أعلى من حد الأجور الأدنى، وكذلك مستوى أفضل لمدارس الطبقة المتوسطة، وتحسين فرص الحصول على التعليم العالي، ونظاما ضريبيا أكثر تطورا.

لقد أصبح نمو الناتج المحلي الإجمالي أقل ارتباطا برفاهية معظم الأميركيين، ويجب أن نبدي اهتماما أقل للنمو، واهتماما أكبر لمدخول الأسر المتوسطة. وإذا ارتفع دخل الأسر المتوسط، فالاقتصاد في وضع جيد، وإذا انخفض، على غرار ما حدث خلال الانتعاش الحالي، فسنكون جميعنا في ورطة كبيرة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات