أصبح مصطلح «الأمن القومي» كثير التداول في الدوائر السياسية العليا في سياق مقاربة الأحداث التي شهدها العالم خاصة في الآونة الأخيرة، هذا المصطلح يختلف في المعنى وفي الأبعاد من دولة لأخرى. فحين ترى دولة صغيرة أن أمنها القومي لا يتجاوز حدودها الجغرافية ترى دول أخرى، الولايات المتحدة، أن أمنها القومي لا يمتد لكل بقعة من بقاع المعمورة فحسب بل يتجاوز ذلك ليشمل الفضاء الخارجي أيضا. إلا أن ما هو مشترك بين هذه الدول هو أن مفهومها للأمن القومي يرتبط بما يضمن سلامة البلد والحفاظ على أمنه واستقراره.

ظهر المصطلح لأول مرة حين أدخلته الولايات المتحدة في معجمها السياسي بعد الحرب العالمية الثانية وقد ارتبط معناه آنذاك بمتطلبات التحرر من الإملاءات الخارجية ومن التهديد العسكري والهيمنة السياسية وقد تمحورت هذه المتطلبات حينذاك على الجانب العسكري فحسب. لذلك وضعت وفق هذه الرؤية إستراتيجيات الحفاظ على الأمن القومي..

حيث تركزت على تعزيز وتحديث القوات العسكرية والأجهزة الأمنية وتأمين الحصول على قدرات الدفاع والردع والتفوق في الوقت نفسه. أما طبيعة التهديد ومصدره وفق تلك الرؤى فهما يتأتيان بدرجة رئيسية من خارج الحدود الجغرافية للدولة أي من بلد أو بلدان أخرى تنتمي إلى أطر ثقافية وحضارية مختلفة.

إلا أن هذا التعريف لمفهوم الأمن القومي قد طرأ عليه تغير ملحوظ على يد وزير الدفاع الأميركي هارولد براون في عهد الرئيس كارتر (1977- 1981)، حيث أضاف عاملين مهمين من عوامل ضمان الأمن القومي هما الاقتصاد والبيئة. إلا أنه رغم ذلك بقي هذا المفهوم محصورا في الإطار الضيق الذي نشأ فيه لأول مرة وهو أن التهديد للأمن القومي للبلد يتأتى من دولة أخرى. هذا المفهوم قد ترك آثارا بالغة الأهمية على سياسات الدول وإستراتيجيات تسليحها وأدخل معظم دول العالم في سباقات تسلح أرهقت ميزانياتها.

إلا أن التطور الذي حصل في العالم على مدى يزيد على نصف القرن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قد أدى إلى توسع قاعدة الأمن القومي لتصبح كل ما يتوافر لدى الدولة من قدرات لإدامة سلامتها وحفظ مكانتها وهي تشمل قوة الاقتصاد وفاعلية الدبلوماسية وسلامة الإستراتيجيات السياسية وتطور القدرات التكنولوجية وجهوزية القوات العسكرية للردع أو للتصدي.

فخلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية سمح الاقتصاد النامي في معظم الدول بالحصول على المزيد من السلاح وعلى المزيد من الرفاهية في الوقت نفسه وذلك لأن مفهوم الأمن القومي قد وضع استجابة لما كان سائدا آنذاك من رؤى.

إلا أن تلك الحقبة قد انتهت بالنسبة لدول كثيرة لأسباب عديدة إذ لم يعد ممكنا الاستمرار بنفس المعدلات في التسلح في ضوء مواجهة المخاطر التي تحيق باقتصاداتها. فقد استجدت في العقود الأخيرة من السنين وجهات نظر ورؤى معززة بدراسات علمية رصينة غيرت من المفهوم التقليدي للأمن القومي وفتحت آفاقا رحبة لمقاربته..

هذه الرؤى تتلخص في أن الأخطار التي تهدد الدول وتسلط ضغوطات على اقتصاداتها ليست بالضرورة تتأتى من دول أخرى معادية بل من الطبيعة نفسها. فالتناقص المستمر بخزين مصادر الطاقة من نفط وغاز وانحسار المساحات الخضراء والتلوثات البيئية وموجات الجفاف والأعاصير والتغيرات المناخية وظهور أمراض وأوبئة جديدة بدأت تشكل مصادر قلق لواضعي إستراتيجيات الأمن القومي لما لها من دور في الإضرار باقتصادات الدول وإضعاف مواقفها السياسية.

من جانب آخر أصبحت ظاهرة الإرهاب مدعاة لإعادة النظر بمفهوم الأمن القومي، فالتنظيمات الإرهابية تشكل خطرا على الأمن القومي لدولة ما مع أنها ليست دولا أخرى بل هي مجاميع من داخل الدول نفسها، أفرادها ينتمون إلى الأطر الفكرية والثقافية العامة لمجتمعاتها كما هو الحال مع تنظيم داعش.

والحقيقة أن مواجهة مخاطر الطبيعة والمخاطر التي تفرضها التنظيمات الإرهابية تفرض توازنات جديدة إقليمية ودولية وتتطلب تظافرا لجهود الدول رغم الخلافات القائمة بينها مما يخفف بالضرورة من الاحتقانات والتشنجات في العلاقات الدولية ويسمح بتقليص ميزانياتها العسكرية وتحويل جزء منها ورصده لتنفيذ خطط مواجهة المخاطر الجديدة خاصة أن تقليصا كهذا لن يؤثر على مستوى المعيشة التي يتمتع بها الفرد. فالتفاهمات على المستوى الدولي لمجابهة المخاطر التي تهدد الوجود الإنساني لا تجعل من تخفيض ميزانيات التسلح مصدرا لقلق الدول على أمنها القومي.

ورغم أن سياقات الأحداث لا تسمح بغير هذا التحليل والتوقع لمآلاتها إلا أننا لا نرى على أرض الواقع ما يشير إلى أن من بيده مقاليد الأمور في عدد من دول العالم يتبنى وجهات نظر كهذه.

ففي الوقت الذي اضطرت فيه الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية إلى تخفيض ميزانياتها العسكرية وتأجيل تنفيذ بعض الخطط التي كان مزمعا تنفيذها بسبب الأزمة المالية والضغوطات التي تعرضت لها اقتصاداتها منذ عام 2008 نرى عكس ذلك في العديد من الدول النامية وغير النامية التي لم تنج اقتصاداتها من تداعيات الأزمة المالية ..

قد زادت من ميزانيات تسليحها على الرغم من تأثير ذلك سلبا على مستوى معيشة الفرد. من جانب آخر تحتشد دول عديدة زاد عددها على الخمسين في تحالف لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي الذي يهدد الجميع تعمل دول أخرى على وضع العصي في عجلة هذا التحالف الدولي لعرقلة مهامه على الرغم من أنها سبق وأن عانت من الإرهاب وهي على أية حال ليست بمنجاة منه.