لمصطلحي اليمين واليسار في إسرائيل معانٍ ودلالات، ليست كتلك التي يتداولها فقه الإيديولوجيات والاجتماع السياسي. لقد أسبغ الفكر الصهيوني رؤاه وتكييفاته على هذين المصطلحين، بما أدى إلى انحرافهما عن مضامينهما التقليدية المعلومة.
وتتجلى صدقية هذه الملاحظة في مساحة التلاقي الواسعة بين البرامج والأجندات السياسية، لمن يوصفون هناك بأهل اليمين وأهل اليسار.. ثم إن هذه المساحة تتسع خلافاً لأي مألوف، عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع مستقبل عملية التسوية الفلسطينية.
وعلى من تراوده الشكوك في هذه القناعة، أن يراجع أدبيات الفريقين تجاه ما يعرف بثوابت السياسة التفاوضية الإسرائيلية؛ التي توحي بأننا بصدد أناس أكثرهم يمينيون بالفطرة. فالصهيونية واليسار بمفهومه التقدمي الحقوقي والإنسانوي، يبدوان كضدين لا يلتقيان.
انعكاسا لهذه الخاصية، يوشك جدل الساسة الإسرائيليين حول بعض قضاياهم، أن يكون أقرب إلى السفسطة منه إلى التناظر بين مختلفين. خذ عندك مثلا، أحاديثهم ومحاججاتهم بشأن الخوف من تحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، في حال فشل حل الدولتين مع الفلسطينيين. في هذا الإطار، تجد كل المنخرطين في هذه الأحاديث، سواء قيل بأنهم من اليمينيين أو من اليساريين، يتعامون عن كونهم يعيشون الآن في نموذج لهذه الدولة بالفعل.
لا ندرى لماذا يتغاضى هؤلاء وهؤلاء عن هذه الحقيقة، رغم مؤشراتها وتجلياتها الخارقة للأعين، بالنظر إلى أن نحو 20% من حملة الجنسية الاسرائيلية هم فلسطينيون أقحاح؛ يعلنون انتماءهم، بشكل أو آخر، للوطنية الفلسطينية والقومية العربية!
ولمن لا يعلم، ثمة تيار إيديولوجي سياسي ينمو بمرور الوقت داخل هذه «الأقلية» الشهيرة بفلسطينيي 48، ينادي سرا وعلانية باعتراف إسرائيل الدولة بها كأقلية قومية، بكل ما يترتب على ذلك من استحقاقات، بل وهناك في هذا السياق من يناقش خيار «تدويل» هذا المطلب..
التجاهل الذي تبديه القطاعات الصهيونية، اليمينية لأسباب معينة واليسارية لأسباب أخرى، إزاء وضعية الثنائية القومية في إسرائيل، لا يعني انتفاء هذه الوضعية. ومحاولة النخب الصهيونية الحاكمة تذرية قوام المجتمع الفلسطيني الأصيل، وتقطيع أوصاله إلى فئات أو هويات منمنمة، هو مسوغ تافه لتنحية حقيقته القومية الواحدة.
على أن تفاهة التعاطي مع هذه الحقيقة تبلغ مديات بعيدة جدا لدى بعض اليمينيين الإسرائيليين؛ الذين يطالبون بضم المناطق الفلسطينية المحتلة منذ 1967 برمتها إلى إسرائيل. ففي تقديرهم أن خريطة التداخل السكاني بين اليهود و«غير اليهود داخل أرض إسرائيل»، بفعل الاستيطان اليهودي المكثف لهذه المناطق، ما عادت تسمح بحل الدولتين.
ومن المؤكد أن مقاربة كهذه تقوم على اعتبار أن الفلسطينيين، داخل الخط الأخضر وخارجه، لا يشكلون قومية يعتد بها، وإنما هم مجرد مقيمين لا يصعب على الدولة الصهيونية اليهودية معالجة شؤونهم. إنه التصور ذاته النافي للهوية الوطنية أو القومية للفلسطينيين، والذي يستهدي به اليمين واليسار الصهيوني في التعامل مع فلسطينيي 48.
غرور اليمين الصهيوني الإسرائيلي وعنصريته الفجة، يقودان إلى مثل هذا التفكير الأهوج. حجتنا في هذا التقدير، أن انضمام فلسطينيي 67 إلى فلسطينيي 48، يفرض على الكافة أكثر فأكثر الحديث عن الدولة ثنائية القومية. وإذا كان فلسطينيو 48 لا يمثلون، حتى الساعة، تهديدا بينا لهوية إسرائيل، فإنهم مع مواطنيهم التاريخيين في بقية فلسطين، سوف يشكلون تهديدا قوميا وجوديا صارخا لهذه الهوية
إن إغراق الصهاينة اليهود بمجموع الفلسطينيين وبهويتهم بين النهر والبحر، وإجبار إسرائيل على الاعتراف بثنائيتها القومية، أهون وأسهل بكثير من حدوث العكس.. إذ من هو العاقل الذي سيجرؤ على نكران ثنائية هذه الدولة وفي جوفها شعب بكامله، يستحوذ على الاعتراف الدولي بهويته الوطنية والقومية وبحقه في تقرير المصير والدولة المستقلة؟!
ليتجادل الصهاينة الاسرائيليون بكل أطيافهم السياسية حول آفاق التسوية الفلسطينية كما يشاءون، لكنهم إن استطلعوا الحقائق واستنطقوها من حولهم، بشيء من الموضوعية والتجرد، فسوف يدركون أن حل الدولتين هو الممر الأكثر أمناً للإفلات بدولتهم.. هذا فضلاً عن كونه حلاً مانعاً لديمومة الصراع وإراقة مزيد من الدماء، بين أصحاب رؤيتين متناقضتين لا يمكن التوفيق بينهما تحت سقف دولة واحدة.