لم تكد تمر أيام معدودة على نشر مقال «الإعلام في زمن السيسي» في هذه الصفحات، حتى بدأت استنتاجاته أو على الأقل بعض منها، تتحقق على أرض الواقع المصري.
فالمقال الذي نشر قبل نحو ثلاثة أسابيع، توقع حدوث تحولات جوهرية على الساحة الإعلامية المصرية، تناسب الظروف الجديدة القائمة بالفعل في البلاد، وقد بدأت مؤشرات ذلك بإعلان الحكومة المصرية عن التمهيد لإصدار تشريعات قانونية جديدة، تعالج مكامن الخلل في العمل الإعلامي ومؤسساته، كما ظهرت في الأفق مقدمات لتشكيل لجنة من كبار الإعلاميين والشخصيات العامة لإنجاز هذه المهمة الإصلاحية.
هذه الخطوات الأولية سرعان ما أصابت الأوساط الإعلامية والسياسية أيضاً بحالة من القلق والتوجس وصلت حد الذعر.
وفي الخلفية من ذلك تفجرت أزمات محدودة ــ ولكنها عميقة الدلالة ــ سرعان ما تم احتواؤها، مع إعلاميين كبار، بسبب ما يمكن اعتباره تجاوزات من جانبهم في ظروف غير مناسبة، ليجد الإعلام المصري نفسه بين مطرقة اتهامه بالمذعور وسندان وصفه بالمغرور.
وبعيداً عن المشهد الإعلامي المصري الراهن، يبدو أن صفة المذعور والاتهام بالغرور تبقى ظاهرة تطارد الإعلام في كثير من دولنا العربية. ولعل المصادفة وحدها هي التي تقود إلى طرح هذه الفكرة، من خلال واقعة مثيرة حدثت أيضاً داخل الوسط الإعلامي المصري، وتسهل في الوقت ذاته تناول مضمون وأبعاد هذه الظاهرة.
والمقصود هنا تلك المواجهة الثلاثية التي وقعت بين صحيفة «الأهرام» العريقة، ووكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، وصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، وقد نشر بعض تفاصيل تلك المواجهة في عدد من الصحف العربية، وهي بحق واقعة كاشفة لبعض سلبيات إعلامنا العربي والخطوات المطلوبة لإصلاحه.
وليس خافياً أننا ما زلنا نتلقف كل همسة أو لمسة أو شبهة إشادة من الطرف الأجنبي، حتى ولو كانت صادرة من صحيفة لم يسمع بها أحد من قبل، لننشرها في صدر صفحاتنا ونصدّر بها نشراتنا الإخبارية، وكأننا قد نلنا الرضى السامي وصك التفوق والتألق، فيصيبنا الغرور.
وفي المقابل نصاب بالذعر لمجرد انتقاد تافه يصدر من هنا أو هناك، إلى حد الهلع الذي يجعلنا نعتقد أن أساطيل العالم وصواريخه ودباباته وطائراته سوف تطرق أبوابنا صبيحة اليوم التالي! وفي الحالتين يرتكب إعلامنا خطأ جسيماً، بالغرور الشديد إزاء الإشادة، والذعر الحاد من الانتقاد، دون التعامل بموضوعية أو تفرقة مهنية بين الخطاب الإعلامي والشخصي، والمواقف السياسية المؤثرة.
وربما يمكن فهم الأزمة الثلاثية المشار إليها، في ضوء هذا التفسير «النفس - مهني».
ونحسب أن هناك عوامل مشتركة أدت لهذا الخلاف الذي كان يمكن تجنبه بقليل من القواعد المهنية وعلى رأسها العودة إلى الوثيقة الأصلية. ولكن هناك عوامل «نفس - مهنية» أو حتى «نفس - سياسية»، كثيراً ما تدفع صحفنا إلى التلهف على أي كلمة إشادة.
وبالتأكيد ما أغنى دولة بحجم ومكانة مصر، وما أغنى صحيفة بتاريخ وقيمة «الأهرام»، عن التلهف على مثل هذه الأخبار التي لا تضيف شيئاً لمكانتيهما.
ولكن يبدو أن موروثاً ثقافياً هو الذي يوقعنا في هذه الأخطاء، فعلى سبيل المثال وفي خضم تفاعلات ثورة 25 يناير 2011، ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما خطاباً أكد فيه أن الرحيل فقط هو المطلوب من الرئيس مبارك.
ورغم نشر الخطاب كاملاً بمضمونه وتفاصيله من المصدر الأصلي في الصفحات الداخلية للأهرام، فوجئنا بخبر في الصفحة الأولى منقول أيضاً عن وكالة عربية، بعنوان «أوباما يشيد بدور مبارك»! وهناك أزمة مماثلة عرفت باسم «الصورة التعبيرية»، مع اختلاف الظروف والتفاصيل، وإن كانت أيضاً كاشفة لطبيعة الإعلام المذعور والمغرور معاً.
وتعود وقائعها إلى عام 2010 تقريبا، عندما نشر"الاهرام" دراسة قيمة عن الصراع العربي – الإسرائيلي، مصحوبة بصورة ضخمة لمجموعة من زعماء العالم يتقدمهم الرئيس مبارك، وفي الخلفية تماماً تم وضع صورة أوباما.
والحقيقة أن الصورة الأصلية كانت من وكالة أجنبية وتم تصويرها في واشنطن، وكان أوباما في المقدمة ومبارك في الخلفية، ولكن عند نشرها في الأهرام تم تغيير الموقعين.
لكن الكارثة الكبرى حلت عندما انبرى مسؤولون في الصحيفة العريقة يدافعون عن هذا الخطأ، بزعم أن المنشور صورة تعبيرية بإبداع فني يستوجب التقدير.
وكان يمكن تجنب هذا الموقف الحرج، باعتذار رقيق بلا عنجهية، على أساس أن ما حدث مجرد اجتهاد جانبه الصواب، والشيء نفسه كان ممكناً في الأزمة الثلاثية الأخيرة.
وأظن أن ذلك أفضل بكثير من محاولة البحث عن جملة إشادة أو اتهام جهة صحافية أخرى بتحمل مسؤولية خطأ مهني ساذج. والهدف من هذا الحديث هو إظهار بعض المثالب التي جعلت إعلامنا يعيش المأزق الحالي بين اتهامه بالمذعور والمغرور، وجعلت بالفعل إصلاحه ضرورة حتمية.