يحتفي بيتنا المتوحد هذه الايام بأحد أركان توحدنا، ألا وهو علم دولة الإمارات العربية المتحدة، في مناسبة يوم العَلَم التي تحيي ذكرى عزيزة على قلوبنا، ألا وهي ذكرى البيعة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، بولاية الحكم في أبوظبي ورئاسة الدولة في الثالث من نوفمبر.

ولعل اجتماع هذه المناسبات العزيزة على قلوبنا جميعا في يوم واحد، يحمل من الدلالات الكثير، لأن هذه الدولة المباركة أسست على بنيان من التقوى والتآلف ووحدة المصير والمستقبل، لذلك نلتف اليوم حول علمها وحول قائدها، إيمانا منا بأن رمزية الذكرى وولاءنا للقائد يتمثلان في ميدان العمل مثلما يتجذران في شرايين الأفئدة.

لكننا ونحن نخاطب الأفئدة اليوم لا يجوز أن ننسى أننا نحب أوطاننا بعقولنا وإدراكنا وأعمالنا أيضا، ومحبة الأوطان لا يكتفى فيها بالمشاعر وحدها، لأن الأعمال ينبغي أن تعكس هذه المشاعر. لذلك، عندما يقال إن «حب الوطن من الإيمان»، فلأن ذلك يقتضي أن تنتقل المشاعر من خانة الفؤاد إلى خانة الأعمال التي تعبر عما في الفؤاد.

نقول هذا ونحن نسأل أنفسنا بموضوعية وصدق: ماذا قدمت اليوم لدولة الإمارات، هذه الأم الرؤوم التي احتضنتنا جميعا، وجادت علينا بالغالي والنفيس مما أنعم الله به على هذه الديرة الخيّرة؟ ترى، ماذا قدمنا لها؟

ليس المطلوب منك أن تطلق حملة تبرعات لمساعدة الدولة في سداد ديونها، كما يحصل في دول أخرى، فخير الله وافر وكثير، لكن ما الذي يمكنك أن تفعله لتسدد للدولة دينها في عنقك؟ هل تنتظر تعليمات من مسؤول؟ هذا هو الخطأ الأول الذي ترتكبه، فمحبة الأوطان لا تأتي بالأوامر، وإنما تنبثق من أعماق القلوب.

هل كنت تنتظر أن يصدر قانون يلزمك بالخدمة الوطنية ثم تبدأ بالبحث عن وسائل التهرب منها؟ هذه هي الخطيئة بعينها، وإلا فكيف ستنظر في عين نفسك وتقول إنك إماراتي، لو حانت لحظة شدة لا قدر الله وكنت أنت الذي يقف عاجزا عن عون الوطن؟ ترى، هل كان سالم بن سهيل ينتظر قانون الخدمة الوطنية قبل أن يقدم روحه على كفه فداءً للإمارات وأرضها؟ لماذا لم تسجل نفسك حتى الآن؟ هل تجرؤ على الإجابة؟

أم هل كنت تنتظر أن يصدر قرار حكومي يلزمك برفع علم الدولة على منزلك، أو بالتبرع بالدم لمريض، أو احترام قوانين المرور، أو عدم الإسراف في الماء والكهرباء، أو غير ذلك من أشياء كثيرة ومتعددة تصوغ في المحصلة علاقتك الإيجابية بوطنك، ولا يمكن أن تتم بالأمر، وإنما بالانتماء؟ فالوطنية ليست عملا جبريا ولا يمكن أن تكون.

بل هي فعل ذاتي عفوي تلقائي، لا معنى له إذا لم ينبع من أعماق قلبك وصميم فؤادك.

ولذلك يصح أن نتذكر دائما أن المعيار في الوطنية ليس ماذا قدمت لك الدولة، وإنما ماذا قدمت أنت للدولة. ولأبسط لك الأمور، تخيل كيف كان أجدادنا يعيشون في سالف الأيام قبل البترول وقبل النعم العديدة التي نعيشها الآن، وكيف كان سيكون مصيرنا لو أنهم قاسوا الأمور بمقياس ماذا يمكن للبلاد أن تقدم لهم..

الآن مع احتفالنا بيوم العلم، تستحق الأمور أن نقوم بمبادرة ذاتية تخص كل واحد منا وعلاقته بالوطن - الدولة..

فلنبدأ بتبديل العين واللام، ليصبح يوم العلم يوما للعمل، واسأل نفسك بصدق: ماذا فعلت لهذه الدولة؟ لن تكون الإجابة صعبة إذا أخلصت النية، وتذكر أن خير الأعمال أدومها وإن قل، لكن عليك أن تتذكر أن للدولة في عنقك دينا كبيرا لا يرتبط بما قدمته لك، بل بما ينبغي عليك أنت أن تقدمه لها، فكيف إذا كانت الدولة قد قدمت لك فعلا كل ما قدمت من امتيازات وحياة رغيدة ورفاهية.

هل سألت نفسك كم ستكون وطنيا ومخلصا وأنت تحترم قوانين المرور مثلا، وأنت تقدم مبادرات تطوعية لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، أو لصيانة المساجد، أو للكثير من الأنشطة والفعاليات التي تحتاج شبابنا ويحتاجونها؟ ولا تنس بالطبع أن ذروة الانتماء الوطني اليوم تتطلب أن تقوم بواجبك الوطني المقدس، من خلال الانضمام للخدمة الوطنية والاحتياطية، لكي تكون دائما على أهبة الاستعداد لخدمة وطنك، سواء خلال الدورة أو بعدها.

ولعل الذين قاموا بتسجيل أنفسهم لهذه الدورة سيكونون محظوظين، حيث سيكونون زملاء في شرف الجندية المقدس لثلاثة من سمو أولياء العهود، وهذا شرف مضاعف.

لذلك وبكل ود واحترام وتقدير، نعم يا أخي ابن الإمارات، ويا أختي ابنة الإمارات، هذا السؤال محق: إذا كنت أنت أغلى ما تملك الدولة، فلماذا لا تكون الدولة أغلى نِعم الله عليك؟ اسأل نفسك مرة ثانية: ماذا قدمت اليوم لدولة الإمارات؟