في حياتنا رموز لها دلالات تفوق معانيها آلاف الكلمات، وتستدعي معها مشاعر تفوق أبيات الشعر، وجزالة النثر، وحماسة الخطابة، ونظريات العلوم السياسية، التي تتحدث عن التنمية السياسية أو الوعي بالوطنية، ذلك أنها تعبر عن كل هذا وتختزله.
وتستدعي معه المشاعر المقترنة به لتسري في النفس روح جديدة، وليدرك العقل قيمة ما حوله وما يملكه ليزداد به تمسكاً، وخاصة أن الحياة في حركتها قد تجعلنا نغفل عن ما نحب، أو تظل تلك المشاعر كامنة تنتظر لحظة الحقيقة لتعبر النفس عن مكنوناتها ويدرك العقل ما حوله.
تلك هي في تقديري حكمة ما دعا إليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من رفع العلم على كافة البيوت والدوائر والمؤسسات في دولتنا المعطاء، ذلك أن العلم ليس مجرد راية تخفق في الهواء، بل رمز يعبر عن هوية شعب استطاع أن يصنع لنفسه مكانا ومكانة يعترف بجدارتها العالم شرقه وغربه، تلك الراية التي توحدت تحتها إمارات الخير والتصالح.
لتصبح دولة الإمارات العربية المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة، إذا اشتكى منها جزء هبت كافة الإمارات لنجدته، كيف لا وقد كان اتحادها معجزة في تحقيقه، حين انصهر أبناء الإمارات السبع تحت راية واحدة، بفضل الله الذي ألف بين قلوب أبنائها.
ومن ألف الله قلوبهم على الخير والوحدة لن يستطيع كائن من كان أن ينال من ذلك أو يزرع بذور الفرقة بينهم، ثم بإخلاص قادة استوعبوا دروس التاريخ، بأن الفرد ضعيف بمفرده قوي بمن معه، "تأبي السهام إذا اجتمعن تكسرا * وإذا افترقن تكسرت آحادا".
وتاريخ الأندلس ليس عنا ببعيد، كما أن رفع العلَم هو إعلان عن التمسك بهويتنا ونهجنا الذي تعبر عنه ألوانه، التي استلهمت من بيت الشعر "بيض صنائعنا خضر مرابعنا * سود وقائعنا حمر مواضينا"؛ والصنائع هي أعمال البر والمعروف والخير، والوقائع هي المعارك الدامية، والمرابع هي الأراضي الواسعة الخضراء، والمواضي هي السيوف المحمرة بدماء الأعداء.
إن رفع العلم ليس رفع راية، لكنه إعلان عن تجديد العهد والولاء والانتماء للوطن، الذي بات كالشجرة التي تضرب بجذورها في قلوب أبنائه وتعانق فروعها عَنان السماء، كما أنه تصويت علني بنداء وطني وبحركة منتظمة ودقيقة لا صوت يعلو فيها على صوت الوطن، يتوقف الجميع في وقت واحد أن حي على العزة والكرامة، حي على الاتحاد والنماء، حي على الرفعة والعزة، لبيك يا وطن.
كيف لا وهل للإنسان قيمة بلا وطن؟ بل هل للحياة معنى بلا انتماء لأرض يرتاح إليها جانبه حين يركن إليها وتحنو عليه كما تحنو الأم الرؤوم على أولادها؟ إنه تصويت علني على أن أبناء الوطن على قلب رجل واحد، وأن الاتحاد هو الغاية الكبرى التي سنظل نذود عنها أمام كل الأحقاد والأطماع والمتربصين، وأن راية الاتحاد ستظل ترفرف فوق كل ربوع الوطن لتعلن أنه لا راية تعلوها أو تتقدم عليها.
كما أنه دلالة على اختيار الطريق التي ارتضتها الإمارات العربية لنفسها.
ففي الوقت الذي تتصارع فيه الهويات، وتتنازع الثقافات، وتداخل وتتفتت الأوطان وتتجزأ تحت رايات عصبية أو مذهبية أو عرقية، يجيء يوم العلم ليلقن أبناءنا درسا في الوطنية والانتماء عبر القدوة والنموذج، فمن ترفرف راية بلاده فوق بيته وبيد والده ووالدته بعزة وشموخ، سيكون هو بها أعز ولها أحب، وسيدرك معنى تحية العلم في طابور الصباح حين يردد "عيشي بلادي عاش اتحاد إماراتنا، عشت لشعب دينه الإسلام، هديه القرآن، حصنتك بسم الله يا وطن"، كما أنه العلم ذاته الذي استظل به الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، مؤسس اتحاد تزداد وشائجه يوما بعد يوم، وبات الفكرة الكبرى التي تجمع أبناء الإمارات العربية.
لذا فإن الاعتزاز به هو اعتزاز بماضٍ تأسس، وحاضر نهض وتقدم، لأنه لا يقترن إلا بجلائل الأعمال.
فعند النصر أول ما يرفع العلم، وفي القتال يموت من يموت راضيا محتسبا من أجل ألا ينكس أو يطرح أرضاً، وفي المنتديات والمحافل، بشتى أشكالها ومجالاتها، تجده الحاضر القوي الذي يقف الجميع إجلالاً لرمزيته، حتى عند الموت لا يلتحف به إلا من قدم لوطنه ما يستحق به هذا الشرف، وكأنه مؤنس من وحشة القبر وشاهد على العطاء والبذل.
ومما هو جدير بالتوقف أن المقيمين على أرض الوطن شاركوا أبناءه في رفع العلم بمشاعر صادقة، ذلك أنهم لم يستشعروا يوما بغصة الغربة أو أن هناك من ينال من حقوقهم في أرض السلام وعاصمة التسامح، فبادلوها حبا بحب ووفاء بوفاء.
إن القيم الأصيلة تحتاج إلى من يرعاها ويصر على ديموتها وغرسها في نفوس الأبناء، ليتوارثها الخلف عن السلف مهما تباعدت السنون، وحب الوطن والإخلاص له والذود عنه والبذل دونه هي من أرفع القيم، لذا كانت الجنة جزاء من مات دون أرضه وعدّ من الشهداء، كما أن التولي يوم الزحف والتخاذل عن الدفاع عن الوطن من الكبائر التي تغضب الله.
إن يوم العلَم الذي ترفع فيه راية الوطن، هو عهد وقسم على أن تظل هذه الراية خفاقة، ليس في البيوت فحسب ولكن في القلب والعقل، وهي دعوة ألا تنتكس هذه الراية ما حيينا، وأن حياتنا وأرواحنا وأبناءنا وما نملك من غال وثمين دونها، هي عهد وقسم أن يبذل كل في مكانه الجهد لتبقى هذه الراية عالية في كافة المحافل الوطنية والدولية..
إن رفع العلم يعني بذل الجهد ونذر الوقت وإخلاص النية وعقد العزم وشحذ الهمة في سبيل الوطن، كما أنه يعني أن أبناء الإمارات ينشدون نشيد العزة والفخر بصوت واحد، وبإرادة فعل تجدد الانتماء للوطن الذي يتسع للجميع ويشمل الكافة، دون تفرقة على أساس النوع أو المذهب أو الفكر، فالكل سواء يرددون لبيك يا وطني.