سيناء والأسئلة المعلقة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم أحب كلمة «التهجير» لوصف ما يجري في سيناء، ولم أسترح لكلمة التدمير التي استخدمت للتعبير عن التعامل مع البيوت المبنية على الحدود مع فلسطين.. لا أقول غزة، ولا أذكر العدو الصهيوني، ولكن فلسطين.

لا يصح أن نتغافل عن أن كل ما يجري يسكن اللغة، واللغة أحياناً تكون فخاخاً لنا، تشدنا دون أن ندري، لما لا نرغب الوصول إليه. ومثلما تعاملنا بتكاسل مع كلمتي التهجير والتدمير باعتبارهما الوصف المختصر لما يحدث في سيناء، فربما أوصلنا البحث لمفردات أخرى تعبر عن الموقف..

ولا تجعلنا ننزلق إلى ما يراد بنا حول قرار أعتقد أن لدينا إجماعاً وطنياً حوله. لديّ شجاعة الاعتراف والكتابة أنني موافق على القرار، بل أرى أنه تأخر كثيراً، وكان يجب أن نتعامل معه باعتباره جزءاً من الطريقة التي نسترد بها سيناء، من زمن الاحتلال إلى أيام التحرر والعودة إلى حضن الوطن.

قلقي ناتج عن الطريقة التي ينفذ بها، والتعامل الإعلامي مع الحدث. عند صناعة القرار لا يكفي أن يشكل صواباً وطنياً، ولا حتى أن يكون خلاصاً للوطن من بعض همومه، فلا بد من وصوله للناس بطريقة صحيحة لا تقل عن صواب القرار، بل ربما تزيد عليه. أيضاً فإن عمليات التنفيذ تعد جزءاً من القرار، فربما حسنته في نظر الناس، وقد تسيء إليه عند المتربصين..

وما أكثرهم. لا أحب المبالغة في حجم الانزعاج من الآراء المعارضة للأمر، فالخلاف والاختلاف صحي، شريطة إتمامه تحت مظلة الوطن ولصالح البلاد. استغربت من مصريين في الغربة يعيشون خارج الوطن في بلاد تحقق رفاهية لساكنيها، ويكتبون كأنهم معنا في قلب مصر، ويتمسحون في المعاناة اليومية للمصريين!

قلنا من البداية إننا في حرب، ويجب ترك أمر ما يجري في سيناء لقواتنا المسلحة، فأراضي القتال لا يدخلها مدني، ليُمَكِّن أبناء العسكرية المصرية من تنفيذ المهام المطلوبة منهم على الوجه القريب من الكمال، فالكمال لله وحده.

لكن ما دامت هناك عمليات نقل لعائلات وتسكينها في أماكن جديدة، فلا بد من وجود وجوه مدنية من الوزارات ومؤسسات الدولة. والعمل الاجتماعي مطلوب من المجتمع المصري كله، ابتداء من الأحزاب السياسية التي هي أكثر من الهم على القلب وغابت عن الأمر، بل واكتفت بإصدار بيان وتأسيس جبهة ضد الإرهاب، مع أن تواجدها هناك من خلال قواعدها الميدانية، إن كانت لها قواعد أصلاً، أمرٌ شديد الأهمية.

فالعناية بالناس عندما ينتقلون من مكان لمكان، ويستبدلون نمط حياة بنمط آخر، يستلزم أن نكون جميعاً معهم، ونتأكد من توفر المرافق التعليمية ووسائل الحياة اليومية لهم. كل هذا مطلوب حتى لا يشعر الذي ينتقل من مكان لآخر، بأنه ترك معلوم حياته إلى مجهول لا يعرف كيف يتصرف في مواجهته.

وهنا تجب الاستفادة من التجربة التي تمت في ستينات القرن الماضي، عندما تم إخلاء مدن بورسعيد والسويس والإسماعيلية. فقد جرى نقل سكان المدن وأسرهم وعائلاتهم وأطفالهم إلى جميع مدن بر مصر، ابتداء من الصعيد الجواني، حتى المدن المطلة على البحرين الأبيض المتوسط والأحمر.

بل إن بعض هذه العائلات ما زالت تعيش في أماكنها الجديدة، ولم تفضل العودة إلى مدنها القديمة بعد حرب التحرير الكبرى، وأصبحت جزءاً من المجتمعات التي وصلت إليها وأقامت فيها، وسط علاقات إنسانية شديدة الحميمية. هل ننسى في ستينات القرن الماضي عندما كنا ننظر لأحياء بأكملها في مدننا على أن هذا الحي حي السوايسية؟

وذاك الحي حي الإسماعلاوية؟ وثالث الأحياء للبورسعيدية؟ ولم نكن نستخدم أبداً الكلمة البغيضة: المهجرين، وإنما كان يلجأ إليها خصوم الوطن الذين يعتبرونها مقدمة للهجوم على كل ما يجري. فالمجتمع المصري الواقي قادر على مواجهة الصعاب والمشكلات والمراحل الانتقالية، بكل همومها ومشكلاتها.

السؤال يلد السؤال، فالحدث مهم، وعندما نسانده ونقف في خندقه لأنه خندق الوطن، فهذا لا يخرس الأسئلة ولا يجعل مجرد طرحها جريمة في حق الوطن. فالسؤال مشروع، والإجابة عليه واجب علينا ما دام الأمر يعلي من مصالح الوطن الكبرى..

ولا يتناقض مع اعتبارات الأمن القومي التي يجب أن نعتبرها راية نلتف حولها في هذه الظروف الصعبة والعصيبة. قيل وكتب أن المنطقة العازلة كانت مطلباً إسرائيلياً بعد كامب ديفيد، وأن مصر رفضته، فكيف تحول الموقف المصري؟ ولماذا؟ والسؤال يتجاهل التطورات التي حدثت..

ويحاول أن يعمي سائله عن متابعة الهجمات الإرهابية التي جاءتنا من شرق البلاد، والتي أتوقع أنها كانت ستزداد مع الأيام القادمة ضراوة وشدة لولا هذا الإجراء الحاسم. وثمة سؤال يقول: هل ستترك المنطقة العازلة للفراغ؟ وهذا الفراغ ألا يشكل خطراً على أمن البلاد الحدودي وأمنها القومي؟

فإن كان البشر الذين سكنوا المكان تحولوا لاعتبارات كثيرة متداخلة، إلى بيئة حاضنة للإرهاب أو مُسَهِّلة له للقيام بما يريد القيام به، فإن استبدال الناس بالفراغ مسألة خطيرة. سمعت أن هناك تصوراً لإنشاء ترعة في المكان الذي سيخلو بعد الإجراءات التي نتخذها الآن، والقضية «على بلاطة» سواء تركت أرض فراغ أو أنشئت ترعة، فلا بد من حمايتها ليلاً ونهاراً، لا بد من السهر عليها.

فإن كانت الإجراءات التي اتخذت أخيراً ضرورة، فيجب استكمالها وعدم تركها لعوامل العراء والتطورات المفاجئة، لأن حدود الأوطان أكثر أهمية عند الدفاع عن الوطن من قلب الوطن، وربما من عاصمته.

السؤال الأخير، بما أن قواتنا المسلحة هي التي ستدير المنطقة وستصبح مسؤولة عن تأمينها، فإن اتفاقية السلام مع العدو الصهيوني تضع قيوداً على وجود جيشنا العظيم في هذه المناطق، فما هو الحل؟ وما العمل؟! لأن استكمال ما بدأناه أهم من البداية.

 

طباعة Email