الأستاذ علي مزروعي مفكر أفريقي، مسلم ومن أصل عربي، كتبت عنه مقالاً في الأسبوع الماضي بمناسبة وفاته منذ ثلاثة أسابيع، ولكني أشعر بأنه ما زال هناك الكثير مما يستحق أن يروى عنه. أشرت في مقالي السابق إلى مقال بديع له بعنوان «القيم الإسلامية والقيم الغربية»، نشرته مجلة «الشؤون الخارجية» الأميركية الشهيرة (عدد سبتمبر/ أكتوبر1997).

وهو مقال مدهش من أكثر من ناحية. ففضلاً عن الأسلوب الجزل والواضح الذي يكتب به علي مزروعي دائماً، أوضح المقال نقاط قوة في القيم الإسلامية لا يعيها الغربيون عادة..

ونقاط ضعف في القيم الغربية يحب الغربيون أن يتغاضوا عنها أو يقللوا من شأنها، بل ويحب الهائمون بالحضارة الغربية، حقاً أو باطلاً، أن يتبنوها لأنفسهم، من باب أن رذائل القوي تتحول في نظر الضعيف إلى فضائل، وسأضرب هنا بعض الأمثلة التي جاءت في هذا المقال.

يذكر علي مزروعي، على سبيل المثال، الموقف من العلاقات الجنسية قبل الزواج، ويذكّر قراءه الغربيين بأن هذا النوع من العلاقات كان مستهجناً في الغرب إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، أما الآن منذ أصبحت العلاقة الجنسية قبل الزواج شائعة، بل وبموافقة الأبوين في كثير من الأحوال..

كما يذكّر قراءه بأن ممارسة الشذوذ الجنسي مّرت بمثل هذا التطور في الغرب. وينتقد مزروعي مبالغة كثير من البلاد الإسلامية في الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة، وتهميش النساء في كثير من أوجه النشاط الاجتماعي والسياسي..

ولكنه يذكّر قراءه أيضاً بأن المرأة في بريطانيا مثلاً ظلت محرومة من حق الملكية مستقلة عن زوجها، حتى سنة 1870 (أي قبل أقل من قرن ونصف)، بينما كانت المرأة المسلمة تتمتع دائماً بهذا الحق. كذلك بينما تحرم بنات المتوفى في كثير من الثقافات الغربية، من أي نصيب في تركة آبائهن، إذا كان له أبناء ذكور، سمحت الشريعة الإسلامية دائماً بحق الميراث للبنات جميعاً، ومنعت قصر حق الإرث على أكبر الأبناء.

يقول مزروعي إن الفارق الزمنى بين الغرب والإسلام في ما يتعلق بمعاملة النساء في بعض الأمور، هو فارق بضعة عقود وليست بضعة قرون، فبريطانيا مثلاً منحت النساء حق التصويت على مرحلتين، الأولى في 1918 والثانية في 1928، والولايات المتحدة فعلت ذلك بتعديل دستوري 1920، وتبعتها فرنسا في 1944، أما سويسرا فلم تسمح للنساء بالتصويت في الانتخابات القومية حتى 1971، أي بعد عدة عقود من حصول المرأة المسلمة على حق التصويت في أفغانستان وإيران والعراق باكستان.

ويرفض مزروعي بالطبع فتوى الإمام الخميني في إيران بحِل دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب ما كتبه عن نساء النبي، ولكنه فضلاً عن لفته النظر إلى أن إيران كانت الدولة الإسلامية الوحيدة التي فعلت ذلك، انتقد أيضاً بشدة ما احتواه كتاب سلمان رشدي من «قلة أدب» في الحديث عن شخصيات عزيزة على المسلمين. وقال إن الغرب قد أحل «الحق المقدس» للفنان محل المقدسات الدينية، مما ينطوي على تساؤل (وإن كان بين السطور) عن أيهما أفضل؟

كم كان علي مزروعي حكيماً إذ نبه قراءه إلى أن الحكم على حضارة ما في مقارنتها بغيرها، لا يجب أن يستند فقط إلى ذكر أفضل ما فيها، بل يجب أيضاً أن يستند إلى ذكر أسوأ ما فيها «إن الثقافات المختلفة لا تقاس فقط بفضائلها بل أيضاً برذائلها».

وهنا يذكّر مزروعي بما فعلته النازية في ألمانيا مع اليهود، وما فعله ستالين بمعارضيه في الاتحاد السوفيتي، وما فعله البيض بالسود في جنوب أفريقيا، وما فعله العنصريون الأميركيون بالسود في الولايات الجنوبية.

وفي فصل بديع أيضاً كتبه علي مزروعي في كتاب يضم مساهمات من عدد من المؤلفين بعنوان «التقدم: حقيقة أم وهم؟» (?Progress: fact or illusion)، صدر في 1996، يقول إن اعتناق فكرة التقدم لم يقدر له من الشيوع مثلما قدر له في القرن العشرين..

وهي فكرة مضمونها الاعتقاد بأن التاريخ يسير في اتجاه محمود أو مرغوب فيه، وبأن كل عصر من العصور يجلب، بالمقارنة بالعصور السابقة عليه، زيادة في الثروة وفي السعادة وفي المعرفة، وربما أيضاً في الفضائل الإنسانية.

يقول مزروعي إن إحدى صور اعتناق فكرة التقدم، اعتناق «الماركسية»، إذ اعتقد الماركسيون أن الرأسمالية الغربية مرحلة تفصلها خطوة أو خطوتان «عن المجتمع المثالي»، الذي لا بد أن نصل إليه في النهاية. ولكن الاعتقاد في التقدم اقترن أيضاً في الغرب بالغرور الأوروبي..

ونظرة الأوروبيين إلى أنفسهم وكأنهم «الشعب المختار»، ومن ثم نشوء فكرة «عبء الرجل الأبيض»، أي مسؤولية البيض عن تمدين الأجناس والشعوب الأخرى. كان من بين نتائج هذا الاعتقاد في فكرة التقدم، ظهور «الفكر التنموي» الذي يقسم التطور الاقتصادي إلى مراحل، بعضها أعلى من بعض، وينتهي إلى «أفضل» هذه المراحل..

وهي بالطبع ما وصل إليه الحال في الغرب، وعلى الأخص في الولايات المتحدة الأميركية! ويقول مزروعي إن هذه الصور من صور الاعتقاد في «التقدم»، نقلت الاعتقاد بحتمية التطور البيولوجي (الذي جاء به دارون) من الأدنى إلى الأعلى، إلى الاعتقاد بحتمية التطور الثقافي (أو الحضاري) من الأكثر بدائية إلى الأكثر تحضراً،..

ولكنه يحذرنا من أن هذا الاعتقاد من السهل جداً أن تكون له نتائج مكيافيلية شريرة، إذ يستخدم في توقع غايات نبيلة أو مستقبل زاهر، لتبرير اتخاذ إجراءات (أو وسائل) شريرة. من ذلك مثلاً الدفاع عن التجارة في العبيد، بزعم أنها تؤدي إلى الإسراع بالثورة الصناعية!

والدفاع عن تشغيل الأطفال في المصانع في بريطانيا بزعم ضرورته لزيادة الثروة، والدفاع عن جرائم ستالين في روسيا بزعم أنها ضرورية لنجاح الثورة الاشتراكية.. إلخ. بل ويضيف مزروعي إلى هذه الأمثلة، مثلاً حديثاً جداً وهو الدفاع عن سياسات اقتصادية قاسية، وشديدة الوطأة على الفقراء بوجه خاص، وهي التي تسمى أحياناً بسياسات «التكيف الهيكلي»، بزعم أنها ضرورية لعودة الاقتصاد إلى النمو والازدهار.

إن من السهل الربط بين النتائج التي وصل إليها علي مزروعي من كامل اعتناق فكرة «التقدم»، وبين أفكاره عن موقف الغربيين من القيم «الإسلامية». ففي الحالين يؤدي الغرور الغربي وثقة الغربيين المفرطة في حضارتهم (أو ثقافتهم)، إلى التقييم الخاطئ للحضارات (أو الثقافات) المغايرة، بل وإلى سوء معاملة المنتمين لهذه الثقافات المغايرة.