الأزمة السورية.. غلطة ثانية

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم أومن لحظة واحدة بالفكرة الشائعة، التي ترى أن أميركا أخطأت في مواقفها من المشكلة السورية. وقد كررت دوما أن ما فعلته واشنطن لم يكن خطأ، بل كان السياسة التي تخدم مصالحها الاستراتيجية ومصالح إسرائيل التاريخية، ما بعد الاستراتيجية.

ومن يقارن ما تقوم به اليوم في عين العرب، وما قامت به من ردود أفعال بائسة على مجازر أشد رهبة ارتكبها النظام في الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيميائية، وارتكبتها «داعش» ضد مئات الجنود والضباط في مطار الطبقة بعد استسلامهم وإلقاء سلاحهم، يدرك أن سياسات واشنطن مرسومة بدقة...

وليست نابعة عن ضعف أو حيرة، بل هي نتاج تخطيط أقل ما يقال فيه إنه لئيم. لم تحجم واشنطن عن تسليح الجيش الحر خشية وقوع بضعة صواريخ أو طلقات كلاشنكوف في أيدي «الإرهابيين»، لو كانت تخشى حقا هذا الاحتمال لما شرعت طائراتها بإلقاء أحدث أنواع الأسلحة والذخائر إلى مقاتلين كرد بالكاد تعرف هويتهم، في مدينة عين العرب الصغيرة التي تحتل «داعش» أجزاء منها، دون أن تخشى وقوعها في أيدي هؤلاء «الإرهابيين».

هذا إذا استبعدنا فكرة أن سقوط عين العرب كليا أو جزئيا – لا سمح الله – سيفضي إلى سقوط السلاح كليا أو جزئيا في أيدي «داعش». رفضت أميركا تزويد الجيش الحر بالسلاح، لأنها أرادت استمرار الحرب السورية لفترة تكفي لتصفية حساباتها وحسابات إسرائيل مع إيران وروسيا، وليس لأنها تخاف على سلاحها الذي وقع الكثير منه في أيدي أعدائها، وكان آخرها في العراق وأفغانستان.

ليس من قبيل الخطأ أيضا، إحجام واشنطن اليوم عن اتباع سياسات متوازنة حيال التنظيمات السورية المسلحة. ففي الوقت الذي تثير فيه شكوكا مهينة تطال وطنية وخيارات وقدرات الجيش الحر، الذي صمد طيلة نيف وثلاثة أعوام في وجه أقوى آلة قتل تعرفها المنطقة العربية..

وقاتل «داعش» بمفرده وطردها من مناطق واسعة كانت قد احتلتها في شمال ووسط سوريا، بحد أدنى من الدعم بالسلاح والمال، يسارع البيت الأبيض إلى دعم «قوات حماية الشعب» الكردية عسكريا وسياسيا، رغم (أرجو أن لا يكون بسبب) علاقاتها المعلنة مع نظام بشار الأسد.

ويلمح إلى أنها قد تكون جيش التحالف البري الذي سيقاتل الإرهاب، متجاهلا أن بين من يقاتلون «داعش» في عين العرب، المئات من رجال الجيش الحر الذين يدافعون عن أرض وطنهم وشعبهم، من كرد وعرب وسريان وآشوريي وكلدان المدينة والمنطقة.

وكان من اللباقة قول بضع كلمات طيبة عنهم، بدل التشكيك في هويتهم وتكرار معزوفة صارت مملة ومهينة حول الفترة الطويلة جدا التي سيستغرقها تسليحهم وتدريبهم. كأنهم يحتاجون إلى تدريب بعد ما اكتسبوه من خبرات ميدانية متفوقة، خلال قرابة أربعة أعوام من القتال ضد أحد أقوى الجيوش والمرتزقة!

هل ترتكب واشنطن اليوم «غلطة» ثانية، تتجلى في سعيها لفبركة بدائل للجيش الحر، بعد «غلطتها» الأولى التي جسدها اقتياد سوريا إلى أزمة جعلتها ساحة صراع دولي وإقليمي يخدم مصالحها، أداته دماء السوريين؟

كما سبق القول، لا أعتقد أن أميركا ارتكبت غلطة في المرة الأولى، وأؤمن بأنها لا ترتكب الآن أيضا غلطة، بل تتابع سياسة تقوم على تنويع أنماط الصراع في سوريا كساحة، والتمسك بإدارة أزمتها وأزمة المنطقة وتوسيعها، وتصفية حساباتها مع خصومها وأعدائها فيها وحولها.

ومن يتابع مواقفها من تركيا، الدولة القادرة على مقاتلة «داعش» وإسقاط الأسد، ويراقب إصرارها على رفض المنطقة الآمنة التي تقترحها على حدودها مع سوريا، وتمكنها من احتواء «الإرهاب» ومخاطر تفكيك نظام الدول الإقليمي، يرى بوضوح ما تبيته للسوريين وجيرانهم..

ويدرك أن معضلتنا لن تقترب من الحل عبر الحرب ضد الإرهاب، التي يرجح أن تفضي إلى إدامتها لفترة جد طويلة، خاصة إن بقيت أوضاع المعارضة والائتلاف على ما هي عليه، وظلت أميركا ممسكة بدفة الأحداث ساعية إلى إيجاد بدائل للقوى السورية التي تقاتل دفاعا عن دولتها الموحدة والمستقلة، وإلى تقوية نزعات الانفصال وترجماتها العملية.

مررت المعارضة «الغلطة» الأولى لأنها لم تع أبعادها، وضيعت رشدها وقواها بالرهان على تدخل خارجي، واليوم تتدخل أميركا بجيشها، ولكن ليس من أجل دعم الحرية، بل بحثا عن بديل لها وللجيش الحر.. فهل يجوز أن نمرر هذه «الغلطة» أيضا مع أن فيها نهاية سوريا؟

 

طباعة Email