نقول دون تردد: إن عدم قدرة الوعي والإرادة على التمييز بين الأزمة والمأزق يقود إلى كوارث تاريخية يصعب معها توقع مآلاتها. بل ويفضي إلى أخطاء قاتلة في التعامل مع الأزمة والمأزق.

فالأزمة بالتعريف: انقطاع مؤقت في مسار التطور أو في سيرورة التقدم لأسباب غير بنيوية، قابلة للتجاوز بسياسة واعية للأسباب. وتشهد كل المجتمعات في مسار تطورها جملة من الأزمات القابلة للحل. كالأزمة الاقتصادية مثلاً، داخل النظام الاقتصادي نفسه قد تؤدي إلى تضخم أو كساد أو انهيار بورصة الخ.

وهي في الغالب أزمات دورية لا تطيح بالنظام الاقتصادي وقابلة للحل، يستعيد بعدها النظام حيويته المعهودة. وقس على ذلك الأزمات السياسية في النظام الديمقراطي التي سرعان ما يكون هذا النظام قادراً على تجاوزها.

وقد يعيش مجتمع ما حال أزمة ثقافية تشهد ركوداً في الإبداع الأدبي والفكري والفني. فنتحدث عن أزمة الأدب وأزمة الفكر. وهكذا، المهم في الأمر إن الأزمة لا تطيح بالبنية السائدة ولا بالنظام، بل يجري تجاوزها عبر الإصلاحات المتنوعة. وهذا هو الذي يفسر لنا دورات الهبوط والصعود في مجالات الحياة.

أما المأزق فهو ليس انقطاعاً مؤقتاً في مسار التطور بل وصول المجتمع إلى حالة من انسداد الطرق أو الأفق ولا يمكن السير معها إلا بتغير كيفي يفضي إلى بنية جديدة كل الجدة. وهذا يعني إن المأزق الذي يصيب صعيدا من الصعد يتطلب قطيعة ولا ينفع الإصلاح معه. فلقد وصل الاتحاد السوفييتي إلى حال المأزق، وصل إلى مرحلة لم يعد فيها قادرا على الحياة، إنه المأزق التاريخي الذي قاد إلى تفككه وانهياره.

وشكلت أغلب قومياته الأساسية دولها، وانتقل الاقتصاد من اقتصاد المركز الى اقتصاد السوق وزالت ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، كما استقل المجتمع المدني عن الدولة، وهكذا قاد المأزق التاريخي إلى تحطيم البنية القديمة وولادة بنية جديدة.

وفي بلدان الربيع العربي اعتقدت السلط إنها تمر بأزمة قادرة على الخروج منها عبر إصلاحات شكلية وجزئية، لم تدر إنها تعيش المأزق بكل عناصره وصفاته. ولم تكن قادرة بطبيعة الحال على إنجاز تحول بنيوي يقيم قطيعة مع العالم القديم.

لقد أصبحت السلطة البيروقراطية الفاسدة والقمعية ذات الطابع العسكري الأمني عاجزة عجزا مطلقا عن تحقيق الحد الأدنى من حاجات الإنسان المادية والروحية. لم تفهم السلطة جوهر الاحتجاجات على أنها تعبير عن مأزقها التاريخي واعتقدت أنها عبر القوة والقمع والترهيب قادرة على لجم حركة الواقع..

لا سيما وإنها توهمت عبر حرمان المجتمع من امتلاك قوته السياسية والمدنية أن المجتمع ضعيف إلى الحد الذي لن يثور عليها. غير أن هذا قاد إلى تعقد التحطيم في غياب البنية البديلة التي لم تتكون في أحشاء القديمة. والحق إن تحطيم البنية القديمة قد بعث كل القوى الخامدة والهويات النائمة التي ولدت في مرحلة المأزق التاريخي.

إن نموذج العراق الذي وصل سريعاً إلى مأزقه التاريخي بسبب عدم فهم سلطته الطائفية بين الممكن والمستحيل يؤكد ما نذهب إليه. ذلك أن إمكانية حكم بلد متعدد الطوائف والأقوام طائفياً أمر مستحيل الدوام. وبخاصة إذا كان التوزع الطائفي متساوياً في العدد والقوة والانتشار. لقد وجدت السلطة العراقية الطائفية نفسها أمام مأزق لا يمكن الخروج منه بمنطق استمرار الحكم الطائفي.

وداعش هي مظهر من مظاهر هذا المأزق، والتي لا يمكن أن تكون بنية بديلة أو وسيلة خلاص، فتجاوز المأزق غير ممكن إلا بوعي جديد من أجل علم جديد وليس بوعي قديم لإعادة عالم قديم. ولهذا فأن تتصدى حركة تعيش مأزقا تاريخيا لتجاوز مأزق تاريخي ضرب من الكوميديا التاريخية.

ومن الحكمة أن نقول: إن الوعي بحقيقة المأزق، وبوسيلة الخروج من المأزق، وطرح البديل غير ممكن إلا بتحرر الوعي من مأزقه.