
في عام 1994 قام رئيس شركة Quaker بشراء شركة Snapple للعصائر بمبلغ 1.7 مليار دولار بقرار عنتري في محاولة لاستغلال نجاح هذه المنتجات والتي غاب عنه أنها نجحت في المتاجر الصغيرة فقط وسرعان ما قام عملاقا المشروبات كوكا كولا وبيبسي بتقديم منتجات منافسة لتُجبر الشركة على بيع Snapple بقيمة 300 مليون لا غير!
القائد بشر وعندما يتخذ قراراً فردياً فغالباً ما يكون به نواحي قصور، لأن طبيعة الناس أنهم يصابون بعمى جانبي تجاه المآخذ التي تحيط بالفكرة التي خرجوا بها، فلا يرون إلا جوانبها الجيدة لا غير لتصدمهم الأيام القادمة أو تبعات القرار بأمور كانوا في غنى عن تحمل سلبياتها لو فكروا جيداً أو استغلوا عقول من حولهم ليفكروا معهم في بلورة فكرةٍ أكثر تكاملاً وأقل هشاشة.
ولا تغيب عن بالنا قصة ذلك الصياد الذي تاه عن طريقه شرقي مدينة سان دييغو الأميركية في خريف 2003 فعمد إلى إشعال نار للتنبيه على موقعه عندما حل المساء ليتفاجأ بخروجها عن السيطرة في تلك الحشائش الجافة وتنشرها الريح سريعاً لتلتهم 33 ألف فدان و2,322 منزلاً وتقتل 14 شخصاً!
إنّ القائد يضيع وقتاً طويلاً وهو يبحث عن كفاءات متميزة ليشد بها أركان مؤسسته، ثم يدفع مبالغ كبيرة كرواتب لاستقطابهم وتعيينهم لخلق غدٍ أكثر نجاحاً، ومن المهم أن لا ينسى أنّ دفع هذه الرواتب المجزية كان للقدرات والمهارات التي يمتلكها أولئك الأشخاص وليس لأسمائهم أو هيئاتهم، لأنه في كثير من الأحيان ينزلق القائد إلى ما يعرف بنظرية «الحائط المطلي بالأزرق».
والتي تتضح في أنه بمجرد أن يمتدح القائد شيئاً يُسارع الجميع لادخال ذلك الشيء في كل طرح لحل مشكلةٍ ما، فلو مدح أن يتم صبغ الحائط بلون أزرق فإن من حوله غالباً سيعملون أن يكون كل شيء بنفس اللون الذي يحبه سعادته .
ولا تستغرب أن يقوم أحدهم بتغيير لون سيارته إلى الأزرق في تأكيد على امتثاله للون المحبوب، فالناس أصبحوا يجتهدون لأن يسمع مديروهم ما يودون سماعه حتى لو لم يكونوا مقتنعين به، وذلك ليبقوا دوماً ضمن المجموعة المرضي عنها فلا تُخطئهم ترقيات أو تُمنَع عنهم تعديلات رواتب!
إن اللوحة التي يقف أمامها الإنسان مشدوهاً بجمالها لا تتشكّل وتكتمل بلونٍ واحدٍ فقط وإنما بمزيج متنوع ومتناغم من الألوان.
وكذلك المؤسسات الناجحة فإنها لا تتميز إلا بوجود ثقافة مؤسسية ناضجة تحترم التمايز والتباين في وجهات النظر وتدعم مبادرات البحث عن حلول توفيقية تكاملية من أجل قرارات أكثر صواباً ومخرجات أقرب لارضاء العميل المستهدف، فالأخذ بآراء من حولنا هو ما أمر به المولى سبحانه نبيه الكريم بقوله: «وشاورهم في الأمر»..
والتعنّت وأخذ القرار بشكل منفرد دون تدقيق وترجيح ونظر لبدائل أخرى هو ما ذمّه سبحانه على فرعون وهو يقول «قال فرعون ما أُريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد».
وهنا مرحلة حرجة ومفصلية توضّح القائد فعلاً من المتشبّه به ألا وهي مرحلة امتلاك السلطة، فإمّا أن يكون ذلك وبالاً على المؤسسة بتسلطه وضيق أفقه واعتداده برأيه الشخصي فقط وإمّا أن يكون عامل رفعٍ لها بدعمه لمن حوله وتقديم المتميزين ووضع من أخذ فرصته كاملة وفشل على الرف!
يقول ديك دورتي أحد مسؤولي الابحاث بشركة IBM تعليقاً على خبرته مع تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة Apple حالياً: «ليس هو بشخصٍ متردد عندما يتحدث وعندما يواجه رؤساءه بأن قراراتهم خاطئة»، فتبيين الخطأ أو القصور في قرار لا يعني إطلاقاً انتقاداً للشخص الذي أتى به.
بل النقد هو للقرار وطبيعته لا غير وهو ما يخفى عن بعض الأشخاص الذين يحبون الاصطياد في المياه العكرة فيصورون كل من ينتقد ممارسة قاصرة بأنها انتقاد للشخص الذي يقوم بها، المهم أن تلك البيئة الواعية التي نضجت في شركة أبل تقبّلت جرأة وصراحة كوك ..
كما تقبّلت فظاظة ستيف جوبز سابقاً، لذلك لم يكن مستغرباً أن ينجح بقيادة هذه الشركة لاستمرار رحلة نجاحها السابقة ويُحقق عائدات تفوق 170 مليار دولار وتصبح في عهده أبل الشركة ذات القيمة السوقية الأعلى في تاريخ البشرية الطويل!
إنه من المهم أن يتحدى القائد موظفيه ليأتوه بآراء أفضل مما أتى به، وأن يبني ثقافة تحدٍ قائمة على الابتكار والصراحة والثقة، فلن يجرؤ أحد على المخالفة إن خشي على «أكل عيشه».
ولن يكون هناك ابتكار إن لم يتم تقبّل الصراحة والنقد المنهجي، وكما أنه من الجيد أن يكون القائد فذاً في تفكيره أو كما يقال قاتل تنين Dragon Slayer فإنه لكي يكون كذلك لا بد أن يكون محاطاً بأكثر من تنين، أي شخص مفكر وذكي بصورة لافتة وفوق ذلك جريء بما فيه الكفاية..
فالأمور تعرف بأضدادها والفكرة الجيدة تتماسك أكثر بتحويرها المتدرج لاستيعاب الانتقادات وأماكن القصور من أجل فكرة أكثر تكاملاً، فثقافة مؤسسية تحترم التنوّع وتشجّع الفكر الناقد لا الناقم هي من يكون بمقدورها حمل أي مؤسسة لعوالم أكبر من النجاح، أما المؤسسات المنغلقة على نفسها أو بالأصح التي تفكر بعقل مديرها الواحد فقط ولا يملك موظفوها إلا التصفيق لكل ما يقوله سعادته فإنها لن تذهب بعيداً، فالسفينة يوجهها القبطان ولكن من يحركها فقط هم البحّارة ومجاديفهم.