إذا كانت ثقافة «الاسطوانات المشروخة» تجعل صاحبها ببّغاء، عقله في أذنيه، يحفظ دون فهم ويتحدث دون وعي، فإن «ثقافة الكتالوج» قد تكون أشد خطورة على الأفراد والشعوب والمجتمعات، حيث تكتسب صفاتها الأساسية من فكرة «الكتالوج» الذي يصاحب أي معدة أو جهاز كهربائي أو الكتروني، ليحدد مكوناته وطريقة التشغيل والمشكلات التي قد تطرأ عليه وكيفية علاجها.. إلخ.
أما لماذا يصبح هذا الكتالوج خطراً جسيماً عندما يتحول إلى ثقافة شخصية أو مجتمعية، فذلك ببساطة لأنه سيعبر حينها عن قوالب جامدة، تسير وفقاً لوتيرة واحدة على غرار مبدأ «هذا ما ألفينا عليه آباءنا»، ووقتها يصبح التجديد أو التطوير أو محاولات دخول عالم الحداثة، مسألة في غاية الصعوبة أو ضرباً من المستحيل.
ورغم أن الكتالوج تحكمه قواعد علمية صارمة كالمعادلات الكيميائية والفيزيائية والحسابية، ولا تحكمه أهواء شخصية، فمن المؤكد أن المجالات العلمية ذاتها هي مجالات مفتوحة للإبداع والتطوير الدائم، وما كنا نعتقد بالأمس أنه نظرية علمية ثابتة لا تخضع للتغيير، سرعان ما نكتشف أن التطورات العلمية وجهود البحث والاكتشاف كثيرا ما تسقطها، أو على الأقل تبدل جوانب منها فيتغير العلم أو تتبدل النظرية من حال إلى حال.
يحدث هذا في المجالات العلمية، فما بالنا بالعلوم الاجتماعية، التي تعالج النفس البشرية بكل تعقيداتها وحركة المجتمعات بكل تفاعلاتها، فهي علوم متغيرة لا تستطيع أن تحدها نظريات واحدة جامدة تستمر على حالها، فتظل بشكل دائم عرضة للتغيير والإبداع البشري. ويبقى بالتالي باب الاجتهاد الإنساني مفتوحاً على مصراعيه لتقديم الجديد في هذه العلوم وفقاً لحركة المجتمعات في ظروف متغيرة.
وهنا تكمن خطورة ثقافة الكتالوج التي تصيب العقول بجلطات فكرية، تحول دون الوصول إلى مواقف مرنة أو مقاربات سليمة للظواهر الجديدة، فيتم تطبيق قواعد قديمة أو أفكار عفا عليها الزمن، فنصل إلى مخرجات خاطئة لأن المدخلات ذاتها جانبها الصواب.
وتظل مصر بكل تفاعلاتها وحراكها السياسي والمجتمعي، منذ أحداث 25 يناير 2011 وحتى هجوم العريش الإرهابي الأخير، مجالا خصبا لتطبيق مثل هذه الظواهر. ولعل الإشكالية الكبرى التي يمكن التركيز عليها في هذا الشأن، هي جدلية وصف الثورة من عدمه لما حدث في 25 يناير وإطاحة حسني مبارك من السلطة، وما وقع في 30 يونيو 2013 وعزل محمد مرسي من الرئاسة ودور الجيش في الحالتين.
عدد غير قليل من أساتذة وخبراء العلوم السياسية والنشطاء، اعتبروا ما حدث في الحالتين انقلابا عسكريا نتيجة تدخل الجيش في العملية السياسية، وبعضهم اكتفى باعتبار ما حدث في 25 يناير ثورة شعبية حقيقية، وما حدث في 30 يونيو انقلابا على الشرعية.
وفسر بعضهم ذلك بقوله «إن نظريات العلوم السياسية تؤكد أن أي تدخل للجيش في تغيير السلطة يعد انقلابا عسكريا»، وإلى المنطق نفسه استند الاتحاد الإفريقي عندما جمد أنشطة مصر فيه بعد عزل مرسي، في ضوء ما يسمى قرار لومي 1991 بشأن تغيير أنظمة الحكم بغير الطرق الشرعية. وأغلب الظن أن مثل هذه التفسيرات وتلك المواقف هي ترجمة صريحة لـ«ثقافة الكتالوج».
فالتحليل المتكامل لتلك التحولات المتعاقبة كان يحتم النظر لشمول التجربة، بعيدا عن محاولة إيجاد تفسير في كتالوج عقيم، وقتها يكتشف أي محلل منصف ما يمكن تسميته «متلازمة الجيش والثورة» في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.
فقد شهدت مصر أربع ثورات كبرى، كان الجيش حاضرا بقوة فيها جميعا دون أن يغيب التلاحم الشعبي معه؛ اثنتان كان الجيش هو البادئ أو المحرك، ثم انضمت إليه جموع الشعب فأخذت حركة الجيش شكل الثورة.
حدث ذلك أولا عام 1882، عندما قاد الزعيم أحمد عرابي وزير الحربية، ثورة المصريين ضد الخديوي محمد توفيق ورفضا للتدخلات الأجنبية في البلاد، وفي عام 1952 عندما قاد الزعيم جمال عبد الناصر حركة الجيش ضد الملكية وضد الظلم والفساد في الدولة بأكملها، فتحولت حركته إلى ثورة غيرت وجه الحياة في مصر والإقليم، وربما العالم أيضا. أما الثورتان الأخريان فقادهما الشعب وخرج الجيش وراءه لحماية البلاد، وأيضا لعدم وجود قيادة واضحة يمكن القول إنها تقدمت الصفوف أو أن بمقدورها ترجمة أهداف الثورة إلى واقع ملموس، فكان الجيش هو البديل الوطني الجاهز، بل والمخلص والمنقذ أيضا.
حدث هذا في 25 يناير عندما خرجت جموع الشعب تسقط نظام مبارك، فانضم الجيش إلى تطلعات الجماهير حاميا لثورته وللبلاد، وتكرر المشهد في 30 يونيو 2013 عندما خرج الملايين من أبناء الشعب رافضين حكم الإخوان مطالبين برحيله بعدما سرق هوية الدولة، فاستجاب الجيش وانضم للتطلعات الشعبية المعلنة، وأجهض المخططات الخارجية والداخلية لتوظيف مصر لحساب مشروع الفوضى الخلاقة، مما جعله مستهدفا من جانب الجماعات الإرهابية، واعتداء الجمعة الماضية في شمال سيناء خير دليل على ذلك.
لا مبالغة، إذن، في تأكيد أن خصوصية التجربة المصرية كانت تحتم قراءة التطورات المتلاحقة على ضوء مكوناتها التاريخية، وليس وفقا لمواصفات «الكتالوج» السياسي. فالتجارب الإنسانية تحكمها اعتبارات بشرية في المقام الأول، وليس نظريات جامدة، والشيء الطبيعي أن تتغير النظريات ذاتها في ضوء ما يجري على أرض الواقع وفي ضوء التجارب المتقلبة.
فلا توجد قواعد جامدة حاكمة تسير كل أحداث التاريخ، فلكل تجربة خصوصيتها ولكل مجتمع ظروفه، والأهم أن الممارسة الإنسانية في كل المجالات العلمية والاجتماعية، سابقة على النظريات الكبرى والصغرى، الثابتة والمتغيرة.
فقد مارس الإنسان الطب قبل أن تكون هناك نظريات متكاملة أو كليات أو معاهد لتدريسه، ومارس الهندسة وشيد أعظم المنشآت دون نظريات متكاملة لعلم الهندسة أو معاهد لتدريسها، والشيء ذاته بالنسبة للحروب والسياسة والاقتصاد... وكلما ابتعدنا عن ثقافة الكتالوج الجامدة سوف نكتشف بسهولة أن المطلوب هو تطوير النظريات أو تغييرها، في ضوء ما يجري على أرض الواقع وليس العكس.