أرجو أن ﻻ يتبادر إلى ذهن أحد عندما نكتب عن أداء جهة ما، أننا نفعل ذلك لمجرد اﻻنتقاد وإبراز السلبيات، فليس ﻷي إنسان محب لهذا الوطن مصلحة في تشويه صورته والخدمات التي تقدمها دوائره ومؤسساته.
ينطبق هذا على ما كتبته الأسبوع الماضي في هذا المكان عن الخدمات الطبية وأداء مستشفياتنا الحكومية والخاصة، نتيجة تراكم التجارب السلبية لدى الكثيرين، وما يصلنا عبر الرسائل والمعارف واﻷصدقاء عن حاﻻت ﻻ يمكن إﻻ أن نصنفها في خانة السلبيات التي بالإمكان تجنبها والبحث عن أسبابها، خاصة وأننا نعيش في بلد يسعى إلى التميز، ويحصد اﻷرقام الأولى في المحافل الدولية، ويتقدم على غيره من البلدان في اﻹحصاءات التي تعدها هيئات عالمية لها احترامها، وهو ما يرفع من سقف طموحاتنا إلى التميز في مجال الخدمات الطبية أيضا، ونحن قادرون على ذلك إذا وضعنا أيدينا على الخلل، وعالجناه بصدق وموضوعية.
من الآراء الإيجابية والموضوعية التي وصلتني تعقيبا على مقال الأسبوع الماضي، رسالة من طبيبة مواطنة، تفاعلت مع المقال وأرادت أن تسجل ملاحظاتها على الخدمات الطبية في مستشفياتنا، خاصة وأن لها تجربة فيها. أحببت أن أعرضها هنا، كي نستمع إلى صوت من الميدان الذي نتحدث عنه. تقول الطبيبة المواطنة في رسالتها:
شكرًا على المقال الأكثر من رائع، فكل الذي ذكرته واقع نعيشه نحن الأطباء. أنا طبيبة جديدة في أحد المستشفيات الحكومية، تدربت لمدة 4 سنوات قبل أن أعمل في المستشفى. كانت لدي فكرة سيئة جدًا عن المستشفيات الحكومية، وكنت أفضل العمل في الخاص للسمعة فقط لا غير، ولكن بعد أن تدربت في المستشفيات الحكومية، وأمضيت ليلي ونهاري في هذه المستشفيات، اكتشفت الكثير عنها، وندمت على سرعة إطلاقي للأحكام عليها. اكتشفت أن لدينا في الحكومي أطباء ذوي خبرة رائعة، يستطيعون تشخيص المرض في دقائق، وإعطاء المريض الدواء المناسب، ولدينا افضل الأجهزة وأفضل الأدوية، ولكن أين الخلل؟ اكتشفت بعد 4 سنوات أماكن الخلل، وبدايتها هي:
أولا: الزحام.. فكثرة المراجعين هي ما يجعل المرضى ينتظرون طويلا، إما في غرف الطوارئ، أو للمواعيد، أو حتى لإدخال المريض. وألوم الإمارات الأخرى، لأن لدينا في دبي 3 مستشفيات حكومية، كل واحد منها متخصص في مجال ما، وهي رائعة في مجالاتها، ويتم تحسين العمل فيها والتوسع بشكل مستمر. هذه المستشفيات هي لطيفة وراشد ودبي، وقريبا سينضم إليها مستشفى الجليلة. أما في الإمارات الأخرى فلا يوجد هذا المستوى، وقد اكتشفت خلال عملي تحويلات بشكل كبير من الإمارات الأخرى إلى دبي بشكل يومي، ومن الخاص إلى الحكومي بشكل خيالي، وذلك على شكل حمل وولادة إلى مستشفى لطيفة، أمراض باطنية إلى مستشفى دبي، عظام وحوادث إلى مستشفى راشد. فهل يعقل أن تستوعب دبي هذا الكم الهائل من المرضى؟!
ثانيا: رواتب وعلاوات الأطباء التي لا تكفي، وأنا شخصيا أعتبر الرواتب قليلة جداً، فهل يعقل أن يُعطى طبيب الامتياز في السنة الأولى من عمله راتبا مقداره 10 آلاف درهم فقط، وأن لا يعطى غير المواطن شيئا؟ وعند التثبيت يصبح راتب الطبيب المواطن 20 ألف درهم، وغير المواطن 7 آلاف درهم فقط! هل يعقل هذا؟ طبيب لديه شهادة بكالوريوس، وترخيص جراحي، وساعات عمل طويلة مرهقة، وفي النهاية يكون هذا راتبه؟! في الدول المتقدمة راتب الطبيب والمعلم من أغلى الرواتب، لأنهما أساس الدولة.
ثالثا: متطلبات العمل الغريبة. مثلا؛ هل تعلم أن كل كلمة أو تشخيص أو علاج يقوله المريض أو نكتشفه، علينا كتابته في الملف الورقي والملف الإلكتروني؟ أليس هذا بحد ذاته استهلاكا لطاقة الطبيب ووقته ووقت المريض؟ كم مرة راجعت طبيبا كان ينظر إليك خلال حديثك؟ لن تجد في الحكومي، لأنه يفكر متى سيكتب في ملفك الضخم أمامه، ثم يكتب في الكمبيوتر، وإذا لا قدر الله أردنا إدخالك، فهناك ملف إدخال مرضى، يجب أن نكتب فيه بالتفصيل، وإذا أردنا إجراء عملية هناك ملف آخر علينا الكتابة فيه. كم يد وعقل يمتلك الطبيب ليفعل كل هذا؟
«هذا الذي اكتشفته خلال تدريبي في الفترات السابقة. وأختم كلامي بشكرك مرة أخرى على مناقشة هذا الموضوع». بهذه العبارة تختم الطبيبة رسالتها، وهي رسالة من داخل الميدان، لا تلقي بالاتهامات جزافا، ولا تقلل من قيمة المكان الذي تعمل فيه، وإنما تحاول أن تضع يدها على مواضع الخلل، وإن كانت تركز على مستشفيات دبي فقط، لأنها تعمل فيها، ونحن نهدف إلى تحسين الخدمات الطبية في جميع مستشفيات الدولة، لأن التباين في مستوى هذه الخدمات يلقي بالعبء على مستشفيات بعض الإمارات ذات الإمكانات الأكبر، كما هو واضح من الرسالة، ويؤثر بالتالي على الخدمات في هذه المستشفيات أيضا، ويتسبب في صعوبة تقديم الخدمة الأفضل.
ثم يأتي الحافز المادي، وهو مهم جدا، بدليل أن أغلب الأطباء المواطنين يسعون إلى العمل في مستشفيات أبوظبي ذات الرواتب المرتفعة، ويفضلونها على مستشفيات الإمارات الأخرى. وتبقى بعد ذلك الإجراءات التي ذكرتها الطبيبة المواطنة في رسالتها، وهي أمور داخلية يجب أن تناقشها إدارات المستشفيات مع طواقمها، فسياسة الأبواب المفتوحة تتيح للجميع المشاركة دون خوف، وتحسن بيئة العمل، أما غلق الأبواب فينشر الخوف والتردد، لتبقى الأحوال على ما هي عليه، وتخسر مستشفياتنا المزيد من الكفاءات.