لا تبحثوا عن عنوان.. إنها الحرب

ت + ت - الحجم الطبيعي

لسنا دعاة حروب، فمصر هي التي اخترعت السلام والحب وأهدتهما للبشرية. وكل الحروب التي فرض على المصريين خوض غمارها كانت حروب دفاع، ولم تكن حروب عدوان، ومعظم هذه الحروب تم على أرض مصر.

وحروب الغزوات التي تمت خارج مصر قام بها حكام غزاة لم يكونوا من أهل مصر، ولا من أبنائها، ولا يمكن وصفهم بالمصريين، وإنما اغتصبوا حكم البلاد عبر تاريخ طويل، قبل أن يعود حكم مصر لأبنائها.

وإن استفاد أبناء مصر من الغزوات فقد تم ذلك بالمصادفة، وإن تطور المجتمع عبر الاستعداد لها فقد جرى دون قصد ممن قاموا به. هذه بديهيات كان لا بد من البدء بها، لأننا نقف في لحظة مصير، لحظة تاريخية فاصلة؛ أن تكون مصر أو لا تكون، لا قدر الله ولا كان. وأبسط تعريف للحروب التي تقوم بها الدول، أنها تكون دفاعاً عن كيان الدولة وحدودها ومواردها وترابها الوطني وتراثها الأشد قدماً والقديم والوسيط والمعاصر، وأمن أهلها وأمانهم، وتمكين المواطن العادي من أن يعيش حياته العادية دون تهديد من أحد.

لا يتصور أحد أن عبارة كيان الدولة تنتمى لقدرة اللغة العربية على الإنشاء، فكيان مصر ومفاصل مصر وخريطة مصر وجغرافية مصر، أمور تسلمها جيلنا من الأجيال السابقة، ولا يملك أمام التاريخ سوى تسليمها كما كانت دون أن تنقص منها حبة رمل واحدة.

وأمن مصر وأمانها كان موجوداً بصورة أو بأخرى عندما انتهت حياة الأجيال السابقة، ولا بد أن نسلمه للأجيال اللاحقة كما كان، إن لم نزد عليه، وشرعية أي جيل من الأجيال أمام التاريخ تتمثل في الحفاظ على الوطن الذي وصل إليه، وتسليمه كما كان للأجيال التي جاءت بعده. نحن على أبواب حرب وعلى مشارف صراع فرض علينا، لأسباب كثيرة لا أحب أن أخوض فيها، لأنى لا أعتقد بأنه يوجد مصري عاقل، مصري وطني، يختلف بشأن ما أكتبه أو ما سأكتبه.

فعندما نذكر كلمة مصر يتبخر الفرد، وربما لا يوجد الأفراد جميعهم عندما تذكر كلمة مصر، لأن مصر باقية ويجب أن تبقى حتى آخر لحظة في تاريخ الإنسانية.

منذ 30 يونيو قبل عامين مضيا وحتى الآن، ونحن نواجه ضربات وهجمات تروع حياة الناس، مع تدمير لممتلكاتهم وعدوان على استمرارهم في الحياة، ولكنا كنا نتعامل مع كل حادثة منفصلة عما قبلها، وكنا نتوهم أنها قد لا تؤدي إلى ما يأتي بعدها. كنا نخرج الحادثة من سياقها التاريخي ونقول لأنفسنا إنها شهقة الموت، أو آخر عمل يقوم به المتطرفون قبل أن ينتهوا. ويبدو أننا كنا نتعاطى الوهم حتى نعفي أنفسنا من مواجهة حقيقة الواقع.

نحن إزاء مجموعات من المتطرفين يتلقون دعماً وتمويلاً من الخارج، ولديهم محميات إما على حدودنا أو داخل بلادنا، يفكرون ويخططون لتدمير الوطن والقضاء عليه. وعند التعامل معهم لا أحب أن ننزلق إلى وهم التضخيم من شأنهم، حتى لا نسبب لأنفسنا الرعب، وأيضاً لا يجب أن نركن إلى التقليل من شأنهم والنظر إليهم باعتبارهم قلة منحرفة أو مجموعة تستهدف الوطن.

من حق أي شعب أن يختلف أفراده حول أية قضية من القضايا، وهذا الخلاف هو الذي يوصل أفراد الشعب إلى مشارف الحقيقة، لأن الحقيقة التي تصل إليها الناس بعد خلاف واختلاف، أفضل من الحقيقة التي يوصلنا إليها التسليم المطلق. لكن خلال الجدل المشروع والخلاف الذي لا بد منه والاختلاف الخصب، لا بد أن نفرق بين الثوابت والمتغيرات.

فالثوابت لا يمكن الاقتراب منها ولا الاختلاف حولها ولا الخلاف بشأنها، لأن الثوابت تعني الوطن، وكل ما يرتبط بالوطن لا خلاف بشأنه. وإن قمنا بالفصل بين الثوابت والمتغيرات بشكل حقيقي وعلمي يعتمد على العقل والمنطق، فربما كان ذلك أول الطريق لمواجهة ما يتربص بنا وما يوجه إلينا من الخارج.

علينا أن نتفق جميعاً على الخطر الذي يهدد بلادنا، وأنه لا يقل عن الأخطار الخارجية، حتى ممن حاولوا احتلال مصر واستعمارها واستغلال ثرواتها وإذلال أهلها. وعلينا ألا نستمع لبعض المحللين العسكريين أو الخبراء الاستراتيجيين، الذين خرجوا علينا ليقللوا من خطورة العملية الأخيرة ومن التطور النوعي الذي شهدته.

فهؤلاء يتصورون أن طمأنة الناس مطلوبة، ولكنهم ينسون أن استنامة الجماهير إلى وهم استقرار مهدد، قد تحمل من الخطورة أكثر من حمل الفزع للناس عندما يدركون أن ثمة خطراً حقيقياً يتهددهم. هل تكون لدي شجاعة الاعتراف بأن عقول قلة منا تلوثت خلال سنة الحكم الإخواني البغيضة، بما لا يجب أن يتسلل لعقل مصري؟ وأن هذا التلوث لا بد من مواجهته، ولأن الفكر لا يواجه إلا بالفكر والرأي، لا بد من وضع رأي في مواجهته، وأن ندرك أن العقل المصري الراهن في حالة حرب مع ما تركته لنا السنة الكابوسية من أفكار عفا عليها الزمن.

طباعة Email