عن الخصوصية السورية

ت + ت - الحجم الطبيعي

بداية، هناك بالتأكيد خصوصية تفرض على العالم طرقاً في التعامل مع الحال السورية لم تستخدم في غيرها. هذه الخصوصية تشمل النظرة الى الثورة السورية، والقوى المحركة لها والمنخرطة فيها، والنظام الحاكم، وفي النهاية الى كل شيء يتصل بسوريا، بما في ذلك الحلول المطلوبة لإنهاء صراعات متنوعة: عربية وإقليمية ودولية، تتداخل مع الحدث السوري.

ولعل الخصوصية تبدو على أوضح ما يكون، في واقعة ان الثورة حدثت في سياق ثورات عربية متعاقبة، لكنها اعتبرت أمراً مختلفاً عنها، وتم التعامل الخارجي معها بطرق تختلف كل الاختلاف عن الطرق التي اتبعت في التعاطي معها، حيث لعب الخارج دوره في قلب موازين القوى لصالح الثوريين، أو في انقسام السلطة وإجبار الحكام على مغادرة مواقعهم فيها، بينما لعب الخارج الدور الأكبر في إطالة أمد المأزق السوري، وأسهم في حرفه عن غايته وتحويله من حراك شعبي يطالب سلمياً بالحرية، إلى اقتتال طائفي متعسكر ومسلح، طمر جانبه الداخلي السوري تحت تصفية حسابات بين قوى أجنبية لا علاقة لشعب سوريا بها، ولم يخرج ضد نظامه من أجل الانخراط فيها، لكنه صار معها طرفاً في تناقضات عدائية بين غرباء، تتم تسويتها منذ قرابة ثلاثة أعوام على حساب مصالحه ومطالبه، وربما وجوده.

هل تعود هذه الخصوصية إلى تشابكات عربية وإقليمية ودولية، نسجها النظام خلال نصف قرن ليحتمي بها ويجعل تغييره أو التخلي عنه مسألة تتخطى علاقاته مع شعبه، وتتقاطع بقوة مع مصالح دولية وصراعات عالمية يتوقف عليها مصير المنطقة العربية والتوازنات الإقليمية والدولية؟ أم أنها تعود إلى طبيعة النظام القائم، الذي يضع نفسه في مركز مصالح متعارضة تحتاج جميعها إليه من أجل تلبيتها، لذلك لا يستطيع أي طرف التخلي عنه ما لم يضمن بديلاً له يتوفر على صفاته ذاتها، فلا يعني تغييره عندئذ انقلابا في أوضاع أصحاب هذه المصالح، ولا يتطلب حسابات وجهودا معقدة تعيد انتاج حال تشبه الحال القائمة قبلها؟

واذا كان المطلوب هو انتاج حال كهذه، لماذا يغير العالم النظام أو يتخلى عنه، ولا يتمهل في البت بأي خيار يتصل به وببديله، ويضع شروطاً تعجيزية حول هوية الأخير وقدرته على تأدية المهام التي كان النظام يقوم بها بسلاسة واقتدار؟ في هذه الحال، ألا تعني الثورة عليه ثورة بطريقة ما ضد النظام الدولي ومصالح أطرافه المختلفة، وبالتالي خروجا على مكوناته، التي لا بد ان تتصارع على هوية البديل وتعمل لان يكون اقرب إليها من سواها، في حال عجزت عن كبح الثورة؟

أخيراً، أليست هناك خصوصية سورية تنبع من تداخل أوضاع نظام الأسد مع غيرها من أوضاع الدول، انتجها تقاطع وتشابك الملفات التي قام بها، بالتعاون او التفاهم او التعارض مع هذه الدولة او تلك من دول العالم العربي والإسلامي، بحيث يعني تغييره المس بأوضاعها الداخلية، وخاصة في البلدان المجاورة لسوريا؟ تبدو الخصوصية، على غير وجه، في صراعات العالم داخل سوريا وعليها، وفي الحلول التي تقترحها دوله للمعضلات التي يغرق السوريون فيها، وآخرها »الحرب ضد الإرهاب«، التي لا شك في أن لها الكثير مما يبررها، وانها مطلوبة وقابلة للنجاح في حال خيضت بالتعاون مع السوريين، الذين يقاتلون الإرهاب منذ عشرة أشهر، وليسوا بحاجة إلى تدريب من أجل الاستمرار في مقاتلته، بل يحتاجون إلى سلاح وذخائر فقط، والحرب ضد الإرهاب في غيابهم ستأخذ منحى يجعلها أقرب الى التعايش معه، بدل محاربته والتخلص منه.

هناك معضلة سورية كبيرة وخطيرة، تمثلها خصوصية تتصل بأوضاعنا نحن: فصائل السوريين التي يفترض فيها إدارة الصراع مع النظام، فلا تدير شيئاً غير صراعاتها وانقساماتها. إذا ما انتبهنا ذات يوم إلى هذه الحال المهلكة، وبذلنا جهوداً مخلصة للخروج منها، لن تبقى ثمة خصوصية محلية تحول بين شعبنا وبين بلوغ حريته، ولا خصوصية دولية تتلاعب بنا وتتعامل معنا بطرق لا سيطرة لنا عليها، ولا قدرة على التحرر منها!

طباعة Email