هناك حقاً ما يبعث على الأسى والحزن ويسيء بشكل بالغ للمشهد الإنساني الذي حرصت المنظمات الدولية على إعداده، عبر إصدار التشريعات الدولية التي كان أبرزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة..
حين نشهد كيف تحصل الانتهاكات الكبيرة والخطيرة لحقوق الشعوب وكراماتها وارتكاب المجازر في حق أبنائها، بمنتهى السهولة في القرن الحادي والعشرين. فالمنظمة الأكثر فاعلية، من حيث المبدأ، في التأثير على مسارات الأحداث في العالم ..
وهي الأمم المتحدة، تبدو عاجزة عن وقف ذلك، وقاصرة في الاستجابة لتداعياته. ولسنا بصدد تعداد الكثير من هذه الانتهاكات، بل نكتفي بالإشارة إلى ما حصل مؤخرا لمسيحيي وإيزيديي العراق على أيدي تنظيم داعش، وإلى ما ينتظر الكرد في المدينة السورية المحاصرة عين العرب (كوباني).
المصادر العسكرية الأميركية تقول إن الضربات الجوية التي تقوم بها قوات التحالف في «كوباني»، لن تستطيع إنقاذ المدينة من السقوط في أيدي داعش. هذا الاعتراف الخطير ينسحب إلى حد كبير على معظم المواقع التي تفرض فيها داعش وجودها، محتلة أو مهاجمة، في العراق أو في سوريا.
وإذ يعكس هذا الاعتراف حقيقة ذات بعد عسكري، فهو يعبر في الوقت نفسه عن خلل في استراتيجية مواجهة هذا التنظيم، حين يُسمح له بتحقيق انتصارات تعزز ثقة المقاتلين في صفوفه وتضعف ثقة من يتصدى له، وهو خلل خطير تتحمل أكثر من دولة المسؤولية عنه، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
«كوباني» أصبحت أكبر من مجرد قضية مدينة باسلة على وشك أن تسقط في أيدي تنظيم إرهابي في معركة غير متكافئة عددا وسلاحا، فقد باتت قضية قومية كردية تداعى لها الكرد الموجودون في العراق وفي تركيا وفي الدول الأوروبية، وأصبحت قضية اختبار لنوايا الجهات ذات العلاقة بمستقبل القضية الكردية إقليميا ودوليا.
تركيا الدولة الوحيدة القادرة على منع سقوط هذه المدينة، أعلنت حكومتها أنها لن تقوم لوحدها بعملية برية في كوباني، وهي بذلك أضافت لعزلتها الإقليمية التي بدأت تعاني منها، عزلة محلية أصبحت تقلق أمنها الداخلي مع تفاقم الاحتجاجات الكردية على موقفها..
واضطرارها لاستعمال العنف الشديد لقمعها. الموقف التركي المتفرج الذي يرفض حتى السماح بدخول المتطوعين الكرد للدفاع عن المدينة، أحرج رئيس إقليم كردستان العراق الذي يُنظر إليه على أنه عراب العلاقات الاستراتيجية بين الكرد وتركيا.
فتركيا لا تريد بتدخلها أن تقدم خدمة لحزب الاتحاد الوطني الكردي السوري، الذي استثمر انسحاب الجيش السوري من المناطق التي ينشط فيها، ليعلن الإدارة الذاتية وينظم قواه عسكرياً واجتماعياً وهو ما سبب قلقا لتركيا، من جانب آخر لا ترغب تركيا في أن تقدم خدمة لنظام الرئيس السوري.
الدول التي اشتركت في التحالف الدولي ضد داعش، قد تداعت لذلك بدافع الدفاع عن النفس لقربها المباشر من الوجود الداعشي، كما هو الحال مع الدول العربية، أو كونها تتوقع أن ينالها بعض الرذاذ المتطاير من دواعش في مجتمعاتها، كما هو الحال مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
لكن تركيا، أحد اللاعبين الكبار في منطقة الشرق الأوسط، لا ترى في داعش خطرا مباشرا عليها، لأن داعش لم يتجرأ حتى الآن سوى على مداعبة الخاصرات الرخوة في سوريا والعراق، وربما تمتد مداعباته نحو الخاصرة اللبنانية. تركيا ليست متحمسة للانخراط في التحالف للحرب ضده، لأنها قد وضعت شروطا لذلك. فهي تسعى من دخولها في هذه الحرب، لتحقيق أهداف تصب في مجال توسيع نفوذها في المنطقة..
حيث ربطت اتخاذ هذه الخطوة بإسقاط النظام السوري، ثم وضعت هذا الهدف في قالب آخر أكثر مقبولية لدى الأسرة الدولية، حين طرحت فكرة إنشاء منطقة حظر للطيران في شمال سوريا، تستطيع من خلالها إعادة توطين اللاجئين السوريين المقيمين في أراضيها، والذين بلغ عددهم زهاء مليون وستمئة ألف وأصبحوا عبئا عليها.
هذه الفكرة لقيت تأييدا من قبل الرئيس الفرنسي، ثم من قبل رئيس الوزراء البريطاني، واعتبرها وزير الخارجية الأميركي فكرة يمكن دراستها، إلا أن رد البيت الأبيض والبنتاغون لم يكن كذلك، فإقامة منطقة معزولة في سوريا ليست مطروحة في الوقت الحاضر..
كما أعلن حلف الناتو أنها ليست على أجندته. والحقيقة أن هذا التناقض بين موقف الخارجية الأميركية والبيت الأبيض، يعكس حجم التخبط الذي تعاني منه الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية.
الرفض الأميركي للفكرة يمكن أن تكون له تفسيرات متعددة لا تتناقض قدر ما تتكامل مع بعضها، فالولايات المتحدة وضعت العراق في أولوياتها، وهي ملتزمة بتنفيذ مهام سياسية وأمنية في أراضيه، ولا تريد أن ترهق نفسها بإضافة أعباء والتزامات جديدة يتطلبها فرض الحظر الجوي في شمال سوريا.
وهي من جانب آخر، لا ترغب في منح تركيا فرصة لتعزيز موقعها في الشرق الأوسط عن طريق منحها دورا متميزا في القتال ضد داعش، يمهد لها دورا سياسيا في رسم مستقبل سوريا، لأن استراتيجية واشنطن لا تسمح بنشوء قوة عظمى في المنطقة، حتى لو كانت لا تزال حليفة لها.
تركيا أكثر المستفيدين من حروب تنظيم داعش في العراق وفي سوريا، إلا أنها ستضطر لاحقا، للانخراط في عمليات التحالف الدولي العسكرية ضده.. حتى وإن بقيت مترددة أو على استحياء.