بعد الربيع العربي وقبله، كانت أزمة دولة ما بعد الاستعمار في العالم العربي هي أزمة مركزية حكم في المقام الأول، أي أزمة دولة المدينة الواحدة، مصحوبة بشرعية منقوصة واختلال في معادلة الرضى بين الحاكم والمحكوم. دولة المدينة أو «الدولة – المدينة»، هي نموذج حكم قديم بدأ في اليونان وفي روما، تكون فيه الدولة مجرد مدينة محاطة ببعض القرى.

كما حال أثينا القديمة ورما والبندقية، دولة صغيرة بأراض محدودة وعدد سكان محدود، كانت فيها الديمقراطية مباشرة لقلة عدد السكان. هذا النموذج ليس سيئا بالمرة، فقد استطاعت روما والبندقية وأثينا أن تتمدد وتصبح إمبراطوريات، وذلك لتوافق عدد السكان مع حجم الأرض ومع أسلوب الحكم وثقافة الحكم في منطقة ضيقة. يحدث الخلل عندما يختل التوازن بين مساحة الأرض، وعدد السكان، ونظام الحكم.

الدولة الأوروبية الحديثة التي توسعت وشملت العديد من المدن، كرست نظام حكم ديمقراطي يوزع الثروات والمهام بين المدن، فترى مثلا في المملكة المتحدة (أو بريطانيا)، لندن كعاصمة مالية ومانشستر كعاصمة صناعية، ثم مدن إسكتلندا؛ غلاسكو وأبردين، ثم مدن ويلز.. ومع ذلك شهدنا مؤخراً محاولة إسكتلندية للاستقلال. الدولة الحديثة هي أكثر من مدينة واحدة توزع فيها الثروة بشكل يجعل عملية الحكم شرعية.

وإذا ما نظرنا للدول التي أسقطتها مجموعات من الشباب الغاضبين في السنوات الأربع الفائتة، نجد أن معظمها إن لم يكن كلها، دول تدعي شرعيتها على مساحات شاسعة من الأراضي والسكان والمدن، ومع ذلك اختصرها الحكم في مدينة واحدة.

في حالة اليمن كانت صنعاء هي المدينة، تتبادل عدن معها بعض الثقل فتتأرجح ما بين النزعة الانفصالية مرة وبين شبه الانهيار التام والحروب الأهلية مرة أخرى، منذ يمن الإمام حتى الحرب الأهلية في عام 1994، وحتى فشل الدولة ما بعد الربيع لتسيطر عليها جماعة هامشية من الأطراف. دولة صنعاء كانت تدعي سيطرة وشرعية على كل اليمن.

ولم تكن لديها الموارد ولا الثقافة الطاغية لتشرعن حكمها، لذا سقطت في مستنقع مرشح لمزيد من الفوضى. والحالة الليبية لم تكن تختلف كثيرا؛ حكم في طرابلس تجاهل مناطق ومدناً، فاختل النظام وقامت الثورة من مدينة غير مدينة الحكم هي بنغازي، وسقطت بعدها طرابلس، وسقطت معها دولة المدينة لتدخل البلاد في أتون الحرب الأهلية.

ورغم وضوح المشكلة في ليبيا إلا ان الفيدرالية كنظام، لم تكن من طروحات الليبيين كحل لدولة لا يمكن حكمها من المركز. وفي سوريا كانت دولة دمشق، ففلتت الحزمة في درعا وفي حمص وفي حلب، وبقيت موجودة في اللاذقية فقط بحكم الطبيعة الطائفية للنظام. ورغم وضوح أسباب فشل دولة المدينة في سوريا، فإن المعارضة السورية ما زالت ترى المشكلة في بشار الأسد فقط، رغم وضوح الفشل البنيوي لدولة المدينة، يريدون إزاحة بشار ويركبون هم على ذات البناء الفاشل.

في سوريا وليبيا واليمن حتى الآن، تفكر المعارضات بنفس تفكير النظام، بمعنى تغيير الأشخاص والتحالفات واستبدال شلة بشلة، غير مدركين أن الخلل في بنية الدولة. الخلل في تلك الفجوة بين المساحة التي تدعي الدولة سيطرتها عليها، وبين حقيقة ضيق دولة المدينة مساحة وأفقا سياسيا. لا توسيع لشراكة، ولا تمثيل لمناطق، فقط إحلال نخبة بنخبة.

أما الحالة المصرية فليست أكثر اختلافا، لولا وجود ذلك النهر العظيم الذي يجعل من المجتمع مجتمعا نهريا أبديا. ولولا نهر النيل كشريان رابط للوطن منذ القدم، لأدى الخلل القائم بين دولة المدينة في القاهرة وبين بقية الأقاليم، إلى ذات الأزمة في كل من اليمن وسوريا وليبيا، وحتى تونس التي اشتعل فيها فتيل الثورة من الأطراف رغم صغر حجمها.

طبعا وجود جيش قوي هو عامل آخر مهم، لكن مشكلة دولة المدينة في مصر ما زالت قائمة حتى بعد الدستور الجديد وما سمي بإعادة ترسيم الحدود الإدارية للمحافظات، الذي أشرف عليه كثيرون ممن لا يعرفون تعقيدات الوطن.

إذا كانت هناك نية للوصول إلى نوع من الاستقرار في دول الربيع، فيجب أن يبدأ الحديث عن كيفية الخروج من دولة المدينة أو دولة العاصمة. ما عدا ذلك فالحلول تبقى حلول مسكنات لربط الوطن ببعضه، ثم ما يلبث أن ينهار بعد عشر سنوات. للوصول إلى حل دائم، لا بد من التفكير في صيغة حكم تجعل كل المواطنين في كل المناطق شركاء بنفس النسبة في مستقبل الوطن.

ورغم ادعائي بأن النيل في الحالة المصرية نجح في الاحتفاظ بالمجتمع النهري، إلا أن دول الأنهار أيضا تتكسر وتنقسم في حالات متطرفة لعدم التوازن وغياب عدالة التوزيع بين المدن، وأنهار المسيسبي والأمازون والكونغو أمثلة.

أزمة الحكم في العالم العربي هي أزمة دولة المدينة، والدول التي اعتمدت أكثر من مدينة للحكم مثل الإمارات العربية المتحدة (أبوظبي - دبي، مثلاً) أو السعودية (في حالة الرياض- جدة)، استطاعت أن تتجنب موجات الربيع. البعض الآخر كان دول مدينة بطبيعته مثل قطر والكويت.

 والدول العربية الكبيرة مثل مصر وسوريا وليبيا والجزائر واليمن، ليس لها حل للاستقرار سوى إعادة طرح صيغة حكم جديدة، تخرجها من اختلال التوازن بين السكان والمناطق وبين المركز المتمثل في دولة المدينة. دفن الرؤوس في الرمال وتحويل النقاش إلى طبيعة أخرى، مثل إسلاميين وعسكريين، هو حديث عن عرض وليس عن جذور المرض، أو تغيير طبيعة النقاش.

الدولة العربية الحديثة هي دولة مدينة في معظمها، ولكي تتمتع بالاستقرار والشرعية معاً، لا بد من حوار جاد حول طريقة الخروج من دولة المدينة الواحدة.

 

كاتب ومفكر سياسي