انتهينا في مقال الأربعاء الماضي إلى رصد المأزق الذي يعيشه الإعلام المصري بمختلف توجهاته في المرحلة الراهنة، ودللنا على أنه لا مبالغة في استخدام كلمة مأزق في توصيف حالة الإعلام، في ضوء مطالب الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة إجراء إصلاحات جوهرية في هذه المؤسسة الحيوية، ويتكرس هذا التوجه بتبني قطاع كبير من النخبة لهذا المطلب، لدرجة أن الكاتب الأشهر محمد حسنين هيكل وجه انتقادات لاذعة لواقع الإعلام المصري خلال لقائه الفكري الذي عقده مؤخرا في جريدة الأهرام، وأيضا عندما سئل عالم نوبل الدكتور أحمد زويل في حوار تليفزيوني عن أولويات الإصلاح في مصر، قال بإصرار إن الإعلام يأتي أولا، ثم التعليم، لدرجة أثارت دهشة المذيعة إلا أنه تمسك بوجهة نظره في هذا الشأن.

وليس من العدل إيجاد صلة بين هذا الواقع الملتبس وأحداث 25 يناير 2011 وما أعقبها من استيلاء الإخوان على السلطة، ثم أحداث 30 يونيو 2013 وما أعقبها من خلع مرسي والإخوان من السلطة في الثالث من يوليو من العام ذاته.

الإنصاف يحتم العودة إلى حقب زمنية سابقة على كل تلك التحولات الدرامية، فقد بلغ هذا الواقع الإعلامي المأزوم ذروته في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق حسني مبارك، بل كانت الممارسات الإعلامية آنذاك من ضمن العوامل التراكمية التي قادت البلاد نحو أحداث يناير، ولا يتحمل الإعلام وحده مسؤولية هذه التراكمات، وإنما كانت مع بداية التحولات الحادة في المجتمع المصري مطلع السبعينات من القرن الماضي على وجه الخصوص، وأدت إلى سلسلة من الهزات الارتدادية العنيفة ألقت بظلالها القاتمة على البلاد، في شكل تناقضات عنيفة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، لدرجة أظهرت المجتمع المصري في هيئة الكيان المشوه، فمن الاشتراكية إلى الرأسمالية، ومن نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية، ومن الاقتصاد المنغلق إلى اقتصاد السوق الحر، ومن مجتمع مدني إلى مجتمع يتمسح بالعباءة الدينية، ومن دولة يتجاوز دورها حدودها لمحيطها العربي والإفريقي وربما العالمي، إلى دولة منكفئة على ذاتها..

كانت التحولات حادة وبدون مقدمات ولا فترات انتقالية ولا ضوابط حاكمة، فجاءت النتائج السلبية أيضا عميقة الأثر.

لم يكن من الممكن أن يسلم الإعلام من تبعات تلك السياسات، فطاردته هو الآخر التحولات ذاتها والنتائج ذاتها، فمن ثلاث صحف قومية مملوكة ملكية عامة، إلى طوفان من الصحف الخاصة والمستقلة والحزبية وأيضا مجهولة الهوية، ومن إعلام حكومي إلى عشرات القنوات الفضائية الخاصة المعبرة عن رجال الأعمال ومصادر تمويل غامضة في كثير من الأحيان. وليست تلك هي المعضلة في حد ذاتها، فالمنطق يؤكد أن أي مجتمع يزخر بهذا الكم من الصحف والوسائل الإعلامية، لا بد أن يشعر بالفخر لمثل هذا المستوى من الانفتاح.

خاصة في دولة كمصر عرفت الصحافة في مطلع القرن التاسع عشر، وعرفت السينما مع نهايات القرن ذاته، ودخلتها الإذاعة اللاسلكية أوائل القرن العشرين، وعرفت التلفزيون بداية من عام 1960، إلا أن المشكلة هذه المرة لم تكن في الكم ولا التاريخ، وإنما في الكيف والمضمون.

فالتحول الإعلامي في مصر في سنوات التسعينيات والعشرية الأولى من القرن الجديد، كان هائلا ولكنه أيضا كان كارثيا لغياب مواثيق الشرف الإعلامية والضوابط الحازمة التي يجب أن تحكم عمل هذا القطاع الحساس بكل حيويته ومخاطره. ومثلما جاء التحول الاقتصادي بلا قوانين ولا ضوابط تحفظ للمجتمع توازنه، ينسحب التحليل ذاته على الأوضاع الإعلامية، حيث تمددت أكثر من اللازم بدون جاهزية حقيقية مكتملة المعالم.

ومن الحقائق الغريبة في ذلك أن مسؤولية إصدار التراخيص أوكلت ولا تزال لوزارة الاستثمار، وكأن المسألة مجرد »بزنس« فحسب، فكانت النتيجة ظهور فضائيات وبرامج لا تمت للإعلام بصلة، ونستحي من إدراجها تحت مظلة العمل الإعلامي، وصولا إلى المشكلة الأكبر والمتمثلة في ظهور قنوات دينية متزمتة ومتشددة، شغل ساعات طويلة من »هوائها« أناس غير مؤهلين لهذه المهمة، فضلا عن ترويجهم لأفكار تخريبية وهدامة ومنحرفة وفتاوى معوجة، في أرجاء البلاد وبالطبع خارجها، وبسببها تعرضت البلاد لأخطر تهديد للسلم الاجتماعي فيها، بل ولتوازنها المجتمعي ذاته، نتيجة الإمعان في تقسيم البلاد إلى فرق وشيع على أسس دينية، بل ومذهبية أيضا، وهي الظاهرة التي زادت في عهد الإخوان.

وعلى الطرف الآخر كان الاستقطاب حاداً أيضاً، فتحول إعلاميوه من مذيعين ومعلقين إلى محققين وقضاة وجلادين في أوقات كثيرة، بمظاهر انفلات وتجاوز مهني بلا حدود، وذلك كرد فعل صريح لطبيعة التكوين التنظيمي في تلك الفضائيات، فمعظم العاملين فيها ليسوا إعلاميين في الأساس، وبعضهم صحافيون تحولوا إلى إعلاميين لسد الفراغ.

إن العديد من الإعلاميين للأسف الشديد حققوا شعبيتهم بكثير من التجاوزات المهنية والصراخ والعويل والصوت العالي في مناسبات أخرى، وشاهدنا على أيديهم مواقف لم يكن من الممكن تصور حدوثها، كالشتائم والألفاظ البذيئة والضرب المتبادل وإلقاء الميكروفونات على الأرض ومغادرة الأستوديو أمام الملايين.

وأغلب الظن أن تلك الممارسات التي تفشت في السنوات الأخيرة لحكم مبارك واستمرت في السنوات التالية لرحيله، ساهمت بشدة في صنع المأزق الراهن للإعلام المصري، فالإعلاميون عرفوا النجاح الواسع بهذه الوسائل والأساليب الملفوظة، وهي بالتأكيد مشاهد مرفوضة حالياً من جانب الشعب بعد انتخاب السيسي رئيساً، ولم يعد في مقدورهم أن يستمروا في المستقبل بأساليب الماضي بحكم الأمر الواقع في البلاد حالياً. فمصر الآن تبحث عن التوازن المجتمعي، وفي سبيل ذلك فإن البلاد ستشهد في المرحلة المقبلة غالباً عملية إصلاح جوهري وشامل لقطاع الإعلام بكافة توجهاته، قد يسفر عن اختفاء عدد كبير من الإعلاميين التقليديين أو تحولهم إلى برامج وقطاعات أخرى، مع ظهور مواثيق شرف إعلامية جديدة نأمل ألا تؤدي إلى إغلاق صحف أو وقف فضائيات، فما تحتاج إليه مصر حالياً هو إصلاح حقيقي، وليس وأد التجربة.