في عصر الصورة والكلمة تزداد أهمية الدور المنوط بوسائل الإعلام، باعتباره النافذة التي يطل منها الآخرون علينا لمحاولة معرفة وفهم ما عجزوا عنه، كما أن ما تنتجه صناعة الإعلام بكاميراتها ومطابعها ووسائلها الجديدة ورجالها لم يعد محليا بل باتت صناعة الإعلام تصديرية بالدرجة الأولى، ينافس في سوق شديد الضراوة والقسوة، لا مكان فيه للمترددين أو الذين لا يعرفون ماذا يريدون.
ولأن البدايات الصحيحة لا بد أن تكون نتائجها صائبة، والبداية في العمل الإعلامي تعني الرؤية التي تتفرع عنها تساؤلات تحدد الإجابة عنها مسارات السير بشكل متناغم ومنسجم دون تداخل أو ضياع للهدف، خاصة وأن الإعلام صناعة مكلفة، إذا لم يتم تعظيم مردودها فإن ذلك يعد نوعا من الهدر المادي والبشري..
لكل هذا كانت أهمية السياسة الإعلامية لمختلف النظم، والتي يجب على العاملين استيعابها ابتداء حتى يتم الوصول إلى الأهداف من أقصر الطرق وتعظيم المردود، فضلا عن إمكانية التقييم والتقويم من مرحلة إلى أخرى، "والسياسة الإعلامية لأي نظام إعلامي أو إذاعي، هي مجموعة المبادئ والقواعد والقوانين والتوجهات التي يعمل النظام بمقتضاها"، ولأن هذه السياسة تحتاج إلى الدق عليها من حين إلى آخر، أو تغيير ما يلزم تغييره، باعتبار أن العمل الإعلامي يموج بتغيرات دائمة وتطورات متلاحقة تجب مواكبتها والتعامل معها بشكل فوري.
ونظرا لأهمية وضوح هذه السياسة أمام العاملين في المجال الإعلامي لإنجاح مسيرته، فإن ما أكد عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في لقائه مع صناع الرسالة الإعلامية والمعنيين بها مؤخرا، يعد محددات واضحة وقنوات للسير بوضوح رؤية، مع امتلاك الأدوات الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف والتي تحتاج إلى وقفة لقراءتها وتأملها طويلا.
أولها المقصود بالإعلام الوطني، وهو بالتأكيد ليس إعلاما تجميليا، بل هو الإعلام الذي يعمل من خلال رؤية وطنية تجعل مصلحة الوطن قبل كل المصالح وفوق كل الاعتبارات الأخرى.
وهذا لا يعني، كما أكد سموه، إغفال جوانب الخلل أو السكوت عنها، بل أن يقوم الإعلام بدور أكبر في تسليط الضوء عليها، من منطلق الإصلاح وليس من منطلق حرق الأوطان وإحباط الناس، وهي الآفة التي أصابت وكادت تودي بالممارسات الإعلامية العربية، بل على الإعلام أن يكون شريكا في العملية التنموية، مع الأخذ في الاعتبار أن من الأدوار المهمة للإعلام، بجانب كشف جوانب القصور، فتح آفاق الأمل أمام الجمهور، وتوضيح خارطة العمل وآليات التنفيذ، للتخلص من عقبات التنمية وعوائق الانطلاق، وهو ما يطلق عليه "التوجيه والإرشاد"، وهو دور أصيل لوسائل الإعلام، حتى يستطيع الفرد أن يتغلب على التوتر الناشئ عن الرسالة الإعلامية ويستعيد توازنه النفسي الذي يوجهه إلى السلوك الرشيد.
الإعلام الوطني هو الإعلام الذي يرى المواطن فيه نفسه وصورته ويعبر عن حياته، حتى لا يصاب بما يمكن تسميته "الاغتراب الإعلامي"؛ بمعنى أن يعكس الإعلام الواقع بشخوصه وقضاياه، لا أن يتم تسليط الضوء على سلوكيات فردية وأحداث متفرقة باعتبارها ظاهرة أو حالة عامة، وذلك من المزالق التي يمكن أن تقع فيها الممارسات الإعلامية تحت ضغط السبق أو الحصرية، غير أنه ينتقص من مصداقيتها على المدى الطويل.
الإعلام الوطني هو الذي يساهم بما يملكه من أدوات جاذبة في بناء جيل قادر على تحمل مسؤوليته الوطنية، عبر إحاطة جمهوره بالواقع والتحديات التي تواجهنا، من خلال التحليل والتفسير، كي يشارك المواطن بفاعلية في قضايا وطنه، بعيدا عن السلبية والاهتمام بالشأن الخاص أو المصالح الذاتية الضيقة.
وهنا يأتي دور الإعلام في التنشئة السياسية والتوعية الاجتماعية، في وقت تتعدد فيه الأصوات وتعلو من مختلف المصادر التي تختلط فيها الأهداف النبيلة بغيرها. والإعلام الوطني يعني تأهيل كوادر مهنية مبدعة قادرة على تحمل مسؤوليتها في مسيرة البناء، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن أفكارهم التي تلبي حاجة عصرهم، خاصة وأن خبرة وتخصص ومكانة مصدر الرسالة، لها دور كبير في تدعيمها والتفاعل مع محتواها.
أما الوجه الآخر للسياسة الإعلامية الوطنية فهو المنافسة العالمية، فلم يعد هناك إعلام محلي، حتى أن أكثر وسائل الإعلام محلية، تجد نفسها في الدائرة العالمية عبر الأوعية التي تحملها وتصل بها إلى كافة أرجاء المعمورة، الأمر الذي انتفى معه التفريق بين الجمهور المحلي والجمهور الدولي، ومن يخاطب جمهوره المحلي لا يمكن أن يغفل القطاع الكبير من الرأي العام الدولي، وهو ما يثير القضية الجدلية؛ كيف يتميز وينافس الإعلام الوطني في ظل هذا الصخب الدولي الكبير، الذي تختلط فيه الأصوات وتتداخل عبره الصور؟
وفي تقديري أن الباب الواسع للمنافسة العالمية هو الانطلاق من المذاق الوطني الخالص، الذي يؤطر الشخصية الإعلامية ويحول بينها وبين التقليد والذوبان. المنافسة عالميا تأتي من خلال إنتاج أفكار مبدعة مستندة على التراث الثقافي الوطني وبنكهته المحلية، وتقديمها في صورة جاذبة ومبهرة. أما الاعتماد على النسخ والتقليد، فإن صح في المراحل الأولى من العمل الإعلامي، فإنه لا يستقيم بعد توافر تراث إعلامي وخبرات بشرية وبنية فنية وتكنولوجية ضخمة.
لذا فإن نموذجا مثل برنامج "شاعر المليون" بنكهته الوطنية وثوبه العروبي، يستطيع أن ينافس عالميا. المنافسة عالميا تأتي من خلال الانفتاح على العالم من منطلق وطني؛ بما يعني الاستناد إلى تراث حضاري وفكري، يمثل منهلا لا ينضب لصناعة الفكر.
إن الأدباء والمفكرين الذين انطلقت أعمالهم إلى العالمية، لم يكن ذلك لكونهم يتناولون قضايا عالمية في كتابتهم بقدر تناولهم لقضايا تعكس بيئتهم وثقافتهم، وهو الذي ميزهم عن غيرهم وارتقى بهم، وهو الشأن ذاته في مختلف الأفكار المبدعة التي استطاعت أن تسمع صوتها ويراها العالم من شرقه وغربه، من هنا جاءت المنافسة العالمية.