عندما زار عبد الناصر »الأهرام«

ت + ت - الحجم الطبيعي

زيارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في نوفمبر 1969 للأهرام، تكاد تكون حجر زاوية في المشهد الثقافي المصري عندما قادت مصر الوطن العربي والأمة الإسلامية بالأدب والفن، بالكتاب والأسطوانة ولوحة الفن التسجيلي، والفيلم السينمائي والعرض المسرحي والإذاعة والتلفزيون.

قال لي محمد حسنين هيكل مكملاً وصفه لما جرى في ذلك اليوم البعيد: كانت اللقاءات موزعة أثناء مرور الرئيس عبد الناصر على الأهرام، ولكن من المؤكد أن هيئة تحرير الأهرام ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية والكتاب والأدباء والمثقفين، كانت أطول اللقاءات التي استغرق فيها أطول وقت قضاه في الأهرام.

في صالة التحرير وقف واهتم ونظر ورأى، وفي المطبعة توقف وسأل، لكن المناطق الثلاث التي توقف عندها في الأهرام، كانت هيئة التحرير، ومركز الدراسات، والقسم الأدبي في الدور السادس. عندما دخل ودخلنا معه إلى القسم الأدبي كانوا كلهم موجودين، وكانوا وقوفاً: توفيق الحكيم، حسين فوزي، نجيب محفوظ، لويس عوض، عائشة عبد الرحمن.

قلت لعبد الناصر: في هذه القاعة ستجد كل المدارس الفكرية وجميع الاتجاهات، ستجد حسين فوزي الذي يقول بحضارة الشمال الأوروبي ويناشد المصريين الإبحار والاتجاه شمالاً، وستجد توفيق الحكيم الذي يقول بحضارة البحر الأبيض المتوسط، وستجد عائشة عبد الرحمن التي تقول بالتوجه الإسلامي. ستجد من يقولون بالماركسية، ومن يقول مصر المملوكية مثل نجيب محفوظ، وإن كان لويس عوض يقول: الغرب، غرب عصر النهضة، وتوفيق الحكيم يقول: أوروبا.

أنا أعرف - يستطرد هيكل - أن توفيق الحكيم يرتبك عند الكلام في حضور جمع من الناس، فما بالك إن كان الكلام في حضور الرئيس عبد الناصر! أعطيت الكلمة لحسين فوزي ليكون أول المتكلمين، فاختار أن يعقب على كلامي قائلا: سيادة الرئيس، الأستاذ هيكل قال إنني أقول أوروبا وهذا صحيح، واتجاه مصر كان دائماً إلى الشمال، وعلى القيادة السياسية أن تحدد هل هو شمال غرب أم شمال شرق؟ فقلت لعبد الناصر: الدكتور حسين فوزي يحاول أن يكون دبلوماسياً، وقلت لحسين فوزي: قل بوضوح إنك تتكلم عن غرب أوروبا. لكن حسين فوزي قال لي: وشرقها، وضرب مثالاً ببطرس الأكبر، أي أن شرق أوروبا اتجه إلى غربها.

وكان حسين فوزي يقصد - تلميحا دون التصريح - علاقات مصر بالاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، ثم بدأ توفيق الحكيم يتكلم، قال كلاماً عاماً عن حياة الناس في مصر وعن المعركة واحتمالاتها، وبيان 30 مارس الذي كان قد أُعلِن قبل ذلك بقليل.

قلت لهيكل: في كتاب جمال الغيطاني الجميل: »نجيب محفوظ يتذكر«، قال له نجيب محفوظ عن لقاءاته مع عبد الناصر: لم ألتق عبد الناصر في لقاءات خاصة، إنما رأيته ثلاث مرات عندما حصلت على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، طلعت وسلمت عليه ونزلت. المرة الثانية 1957، كان هنا عدد من الأدباء العرب التقاهم، وكنت أحد الذين ذهبوا إلى اللقاء.

المرة الثالثة كانت في الأهرام عندما زاره في 1969. إذا لم تخني الذاكرة، كان يتحدث إلى كل شخص. قال لي عبد الناصر: إزيّ ناس »الحسين« بتوعك، بقالنا زمان ما قريناش لك قصة.. رد هيكل على عبد الناصر: لا، دي بكرة طالعة له قصة. كان يوم خميس، هيكل قال: (السجن) نعمل إيه؟! ما هي قصصه »تودي« الليمان.

عبد الناصر قال له: لا دي تودي رئيس التحرير. وعن هذه الواقعة التي مازالت محفورة في ذاكرة نجيب محفوظ، قال الأستاذ هيكل: هذه الرواية عملياً غير ممكنة، لسبب أساسي أنها لا تتفق مع سلوكي مع عبد الناصر ولا نوع علاقتي به. أن أقول لعبد الناصر إننا سنقرأ له نصاً »يودي في داهية«، فهذا معناه أنني أقول لعبد الناصر في مواجهته وفي حضور جمع كبير من الناس وعلناً، إنه من الممكن أن يذهب كاتب في داهية في ظل حكمه، بسبب قصة أدبية كتبها.

لو كنت قلت ما نسبه لي كتاب الأستاذ جمال الغيطاني على لسان نجيب محفوظ، فمعناه أنني أسيء إلى عبد الناصر وإلى نظامه، وأكثر من ذلك أنني أسيء لنفسي ولعلاقتي بعبد الناصر. إن البعض ينسى ما نشرناه في الأهرام في زمن عبد الناصر وفي ظل حكمه لمصر.. لقد نشرنا في الأهرام كل ما كانت له قيمة في ذلك الوقت، إن كل الكتابات والأدبيات المعارضة قد نشرت في »الأهرام«.

طباعة Email