ينظر عادة إلى عالم القيم بوصفه سلطة إكراه تحمل الناس على الالتزام بقواعد للسلوك تحفظ حياتهم المشتركة، وهو أمر متفق عليه، إلا أن عالم القيم، في الغالب، متغير بتغير الأحوال والظروف.
غير ان هناك ظاهرة قلما نوقشت بعمق ألا وهي تحطيم بعض السلطات الحاكمة لعالم القيم بشكل سلبي، وهذا ما يؤكد الحكم القائل: إن أخلاق السلطة السائدة هي التي تنعكس على أخلاق المجتمع. فمن حيث المبدأ، يقوم المجتمع بالحفاظ على قيمه عبر سلطته المعنوية، ويعيش تغير قيمه بشكل عفوي.
وفي كل الأحوال، تتحدد وظيفة القيم في الحفاظ على الحياة والأمن والعيش المشترك. ودون قيم تمارس دوراً كهذا تصبح الحياة مستحيلة. بل إن القانون الوضعي الذي سنه المشرع إنما جاء، في جزء كبير منه، من وحي القيم السائدة.
فالسرقة اعتداء على الحق العام والحق الخاص في عالم القيم، وجاء القانون الوضعي وأكد أمراً كهذا، وأضاف إليه قانون عقوبة على مرتكبها.
ولكن عندما تقوم أخلاق سلطة حاكمة على السرقة والفساد، ودون أن يرف لها جفن، ودون أي حياء، فإنها، شيئا فشيئا، ومع استمرار سلوكها، تعمم أخلاق السرقة، وتدمر فكرة الحق العام والخاص، وتحطم أحد أهم قيم الإنسان ألا وهي الشرف. فالفساد الذي انتشر في أكثر الدول العربية لم يكن إلا صورة من صور الفساد الذي جعل الناس المتضررين يضيقون ذرعا بهذا الأمر.
وقس على ذلك قيمة الكرامة. فقيمة الكرامة لا تنفصل عن قيم الحق والحرية والأمان. إنها احترام الإنسان بمعزل عن أصله وفصله ولونه وقوميته ودينه. بل إن مفهوم الكرامة صار مادة من مواد دساتير بعض الدول.
فلقد جاء في الفقرة الأولى من المادة الأولى في الدستور الألماني ما يلي: «كرامة الإنسان أمر لا يمس به، واحترامها وحمايتها واجب سلطة الدولة بكاملها». كما أكد الدستور المصري الحالي في المادة 51:«الكرامة حق لكل إنسان، ولا يجوز المساس بها، وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها».
وليس من المهم أن ينطوي الدستور على مواد تتعلق بحماية الكرامة الإنسانية، وإنما المهم ممارسة هذه المواد على الأرض، فسجن الناس على الشبهة السياسية، والاعتداء على حقهم، وفجور سلطة الطوارئ التي فرضتها بعض الدول لعقود من الزمن وجرى إهانة المجتمع استنادا إليها قد ولدت طقوس الاعتداء على الكرامة الإنسانية وتعميمها، وجرى تعميم الذل والإذلال لفترة طويلة، فانتفض الناس ثأراً لكرامتهم واسترداداً لها.
وليس هذا فحسب، بل إن القانون الوضعي الذي هو قانون الدولة والذي من شأنه أن يحافظ على الحق والكرامة والحرية، ويظهر سيادة الدولة قد جرى تحطيمه من قبل كثير من السلطات الحاكمة
وموظفيها من قانون السير إلى قانون البناء إلى قانون الملكية إلى قانون السف ...الخ. وعندما تغدو سلطة ما هي القوة الخارقة للقوانين الوضعية فإنها تعمم هذه النقيصة وتشيع عالم الرشوة ثمنا لتجاوز القانون. ويصبح خرق القانون هو القاعدة.
وهكذا، فإذا ما عممت سلطة ما انحطاط قيمها وأخلاقها، فإنها تمهد الطريق لانهيارها وانهيار المجتمع. وبالعكس، كلما عممت السلطة أخلاق الحق والحفاظ على الحق، سهرت على تأكيد الكرامة الإنسانية وكلما فرضت السلطة قانونها المستوحى من مصالح الناس كان المجتمع قويا والإنسان منتمياً.
والحق، إن تجربة السنوات الماضية وما تولد عنها من انفجارات وانتفاضات ومازال يتولد عنها، تعطينا نحن العرب درساً تاريخياً مهماً ألا وهو : إن السلطة ليست مجرد ممارسة للحكم، وإنما منبع من منابع تعميم القيم.
فإذا كانت مدمرة للقيم الإيجابية وناشرة للقيم السلبية فإن المجتمع سيعبر عن ذاته بالعمل من أجل البديل الأخلاقي للسلطة اللاأخلاقية، وبالمقابل إن قوة المجتمع في قدرته على إنتاج سلطة الدولة بوصفها دولة الحق.
وليس الأمر بصعب، أو ليس هو بالمطلب الخيال، بل هو أمر قابل للتحقق على أنحاء مختلفة إذا ما توافرت الإرادة المجتمعية وعبرت عن نفسها مدنياً وسياسياً.
ومما يسهل الأمر على الشعوب في إنتاج أمر كهذا شيوع تجارب أمم كثيرة على ظهر البسيطة، وتوافر وسائل الاتصال بين البشر، أو اذا استخدمنا مصطلح الفيلسوف الألماني هيغل فإننا يجب أن نكون جزءاً من روح العالم الراهن.