استبق رئيس الوزراء العراقي الدكتور حيدر العبادي قرار البرلمان التركي المثير للجدل، بتفويض الحكومة التركية إرسال قوات برية إلى سوريا والعراق لمواجهة تنظيم داعش..

بالتأكيد على أن العراق ليس بحاجة إلى أية قوات أجنبية أو عربية. ورد الفعل الإيراني للقرار التركي كان فورياً بالتحفظ والتحذير من خطورته، معتبراً إرسال قوات برية إلى سوريا والعراق سيعقد المشهد ولن يكون في صالح الحرب على داعش. وقد سبق أن أشار الرئيس التركي أردوغان إلى أن الحرب على داعش، تتطلب إسقاط النظام السوري الحليف لإيران.

موقف تركيا المتردد، فيه الكثير من الغموض، فهي قررت الدخول في التحالف مؤخراً على استحياء، بعد أن أوشك تنظيم داعش أن يطبق على المدينة الكردية كوباني (عين العرب)، ويصبح على وشك السيطرة على ضريح سليمان شاه جد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، الذي يحرسه ثلاثون جندياً تركياً ويقع على بعد 25 كيلومتراً من الحدود التركية، وهو الموقع الوحيد العائد لتركيا خارج حدودها الجغرافية، وفق اتفاقية عقدت عام 1921 مع فرنسا دولة الانتداب في سوريا آنذاك.

فمصير هذه المدينة والضريح القريب منها يؤرق الحكومة التركية، خاصة بعد أن استلمت تحذيراً من عبد الله أوجلان الزعيم الكردي التركي الذي يقبع في الأسر، بأن محادثات السلام الجارية مع أنقرة لتسوية النزاع الكردي ستنتهي إلى الفشل، في حالة سقوط مدينة كوباني ثالث أكبر مدينة كردية في سوريا، في أيدي تنظيم داعش، في إشارة إلى أن الدولة الوحيدة التي تستطيع منع وقوع مذبحة كبيرة للكرد وتبعث برسالة حسن نوايا لهم، هي تركيا.

على المستوى العملياتي، لم تفلح الحرب على تنظيم داعش حتى الآن في تحرير مدينة كبيرة احتلها داعش، فالجنرال جون آلن قائد قوات التحالف لمواجهة التنظيم، يتوقع أن تحرير مدينة الموصل يتطلب مدة قد لا تقل عن سنة.

هذا في الوقت الذي تتزايد فيه الشكوك المحيطة بمدى قدرة الضربات الجوية على حسم الموقف والقضاء على داعش، إذ على الرغم من أن هناك بعض النجاحات التي تحققت بتحرير معبر ربيعة بمساعدة غطاء جوي من قوات التحالف وفك الحصار عن مدينة الضلوعية، إلا أن تنظيم داعش قد حقق مقابل ذلك اختراقات أخرى في محافظة الأنبار من جهة..

ويواصل التقدم نحو مدينة كوباني السورية من جهة أخرى. فهو لا يزال يمسك بالمبادرة العسكرية في فتح الجبهات في المكان والزمان الذي يختاره، لأنه قادر على التحرك السريع ونقل قواته من موقع إلى آخر. ربما تتمكن الضربات الجوية لوحدها من حسم المعركة في حرب نظامية بين جبهتين متقابلتين تصل إحداهما إلى حالة الإنهاك، أما في حرب العصابات التي يخوضها داعش....

فمن المشكوك فيه أن تنجح هذه الضربات في إلحاق أضرار كبيرة بهذا التنظيم. فهذه الغارات لم تنجح في الحد من نشاطاته إلا بشكل محدود، فهي من حيث العدد غير كافية، كما أن الفترة الزمنية بين غارة وأخرى تسمح له بأن يعيد تنظيم نفسه ويواصل نشاطاته.

كما أن هناك قدراً من الصعوبات اللوجستية في تنفيذ هذه الضربات، فهي تنطلق من قواعد ومن حاملة طائرات تقع على مسافات بعيدة من مسرح الأحداث، مما يستلزم التزود بالوقود جواً.

وستكون هناك ضرورة لتلافي هذه العوائق اللوجستية باستخدام بعض القواعد الجوية في العراق، وهذا يتطلب قوات على الأرض تتولى تغطية ما تحتاجه عمليات كهذه من خدمات لوجستية، من ضمنها توفير أمن هذه القواعد.

من المتوقع، على الرغم من دخول دول جديدة في التحالف وإرسالها لعدد من الطائرات المقاتلة، أن تكون هناك حاجة ماسة في الطور الثاني من هذه الحرب، للتخلي عن استراتيجية عدم السماح لقوات برية أجنبية بالتواجد على الأرض العراقية، لأن هناك حاجة قوية لنزول قوات برية مؤهلة لهزيمة هذا التنظيم، تمسك الأرض بعد تحريرها.

فالعراق جزء من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، التي ستكون لها الكلمة النهائية في تحديد مسارات المعركة مع تنظيم داعش.

والحقيقة أن التحضير لذلك جار على قدم وساق، فقد وصل العراق منذ العاشر من يونيو المنصرم، ألف وستمائة جندي أميركي من القوات الخاصة تحت مسمى «مستشارين»، وهناك خطط يعدها البنتاغون لإرسال المزيد منهم.

وها هي أستراليا تعلن على لسان رئيس وزرائها توني أبوت، أنها سترسل قوة مكونة من ستمائة جندي من قواتها الخاصة، ليجري نشرها في العراق مع عشر طائرات تسهم مع قوات التحالف.

هناك شكوك في أن تتحول مهام التحالف الدولي من القضاء على داعش إلى مهام أخرى ليست في صالح بعض الأنظمة السياسية في المنطقة، إذ لا يمكن تفسير دخول أكثر من خمسين دولة في هذا التحالف على أنه تظاهرة إعلامية فحسب. والحقيقة أن هذه الشكوك ليست في غير محلها، خاصة أن الولايات المتحدة التي تتزعم التحالف تخوض إلى جانب حربها على تنظيم داعش حرباً باردة تتزايد حدتها مع روسيا..

حيث تعتبر منطقة الشرق الأوسط إحدى ساحاتها المهمة. وقد تكون إحدى مهام التحالف الدولي غير المعلنة، تدارك الخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة حين اتخذت موقفاً سلبياً لا مبالياً من الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ أكثر من ثلاث سنوات، وسمحت بذلك لأن تصبح الساحة السورية أفضل حاضنة لولادة تنظيمات إرهابية على رأسها تنظيم داعش.