ثمن باهظ تدفعه دول ومجتمعات عربية عديدة، نتيجة التحولات الحادة وغير المدروسة على الصعد السياسية والاقتصادية والإعلامية أيضاً، ومن الطبيعي أن تكون الاضطرابات الاجتماعية واختلال العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد على رأس الخسائر المتوقعة، خاصة عندما يكون التحول من النقيض إلى النقيض.

وربما تكون الرغبة في دخول عالم الحداثة والتحدث بلغة العصر هي الدافع الأهم وراء التحول المنشود، وهذا توجه لا غبار عليه، ولكن المشكلة تكمن في أسلوب ومنهج التحول الذي يأتي في حالات عدة بكثير من السلبيات التي تجعل الإيجابيات المرغوبة تتوارى في »كواليس« بعيدة.

وإذا ما أردنا تحويل هذه المقدمة النظرية إلى واقع عملي، فقد لا نجد أفضل من الحالة المصرية نموذجاً، فعليها تنطبق وقائع التحولات الحادة، وهي التي تشهد تفاعلات سياسية ومجتمعية وحراكا رسميا وشعبيا منذ ثورتها الأكبر، ثورة 23 يوليو 1952.

فمن النظام الملكي إلى النظام الجمهوري في ضربة البداية ومرحلة طويلة من الثورية الاشتراكية، يأتي التحول الأضخم بعد ذلك عام 1970 بالتحول من مصر الناصرية إلى مصر الساداتية.

ولم يكن التحول برحيل زعيم ومجيء آخر، بل كان التحول بالفعل عميقاً وحاداً، فمن النظام الاشتراكي وحكم الحزب الواحد، إلى المنابر والأحزاب السياسية، ونظام الانفتاح الرأسمالي الذي أعطى أولوية للسمسرة المالية والمتاجرة بالأراضي وبالأغذية الفاسدة، وبأي شيء يحقق ربحاً سريعاً وبناء منظومة من الطفيليين والانتهازيين نحو مجتمع استهلاكي من الدرجة الأولى، والنتيجة المحتومة لذلك بالتأكيد حدوث هزة عميقة في المجتمع المصري، أدت إلى تراجع الطبقة الوسطى، أساس توازن المجتمع، وظهور طبقة رأسمالية جديدة لا علاقة لها بالعملية الإنتاجية أو بناء تنمية حقيقية.

حدث ذلك لأن البلاد تحولت بشكل حاد من النقيض إلى النقيض، ولم تكن مستعدة بالسياسات ولا بالقوانين لمواكبة التحول السريع وغير المدروس.

وتكررت الظاهرة ذاتها في سنوات الثمانينات، مع تحولات حادة أخرى من مجتمع مدني قومي إلى دولة تسمح بعمل جماعات الإسلام السياسي، بل وتفتح الباب لأول مرة أمام شكل جديد من أشكال الاقتصاد الإسلامي، متمثلا في شركات توظيف الأموال التي ارتدت عباءة إسلامية واستقطبت المليارات من مدخرات المصريين داخل البلاد وخارجها، وظهرت أسماء باتت أكثر شهرة وقوة من الدولة ذاتها، وكادت ممارساتها أن تؤدي إلى انهيار الجهاز المصرفي المصري، لولا تدخل أجهزة الدولة في اللحظات الأخيرة بحظر أنشطة تلك الشركات.

مرة أخرى دخلت مصر في مرحلة رأسمالية مزعومة، دون أي استعدادات أو ضوابط سياسية أو قانونية، ووصلت البلاد بهذا التحول الحاد إلى مأزق كبير وبثمن باهظ.

أما سنوات التسعينات والعشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، فقد شهدت الموجة الثالثة من الرأسمالية التي مثلت تحولاً حاداً جديداً في الاقتصاد المصري، والذي شهد أكبر عملية »تزاوج« بين المال والسلطة، فأصبح رجال الأعمال هم نجوم المجتمع وهم أيضاً أشهر السياسيين، وارتبطوا بالنظام الحاكم بعلاقات وثيقة، وتسارعت عمليات بيع القطاع العام والمصانع والمصارف ومؤسسات الدولة الاقتصادية ــ بعضها كان يحظى بالصفة الاستراتيجية ــ وشهدت عملية البيع والخصخصة تسريح مئات الآلاف من العمال، والاستيلاء على ملايين الأفدنة من الأراضي بأسعار بخس، وممارسات فساد لا حدود لها أفادت فئة محدودة من الرأسماليين الجدد ورجال أعمال السلطة.

وكان ذلك مرة أخرى نتيجة التحولات الحادة ومن النقيض إلى النقيض، تحت ذريعة الرغبة في اللحاق بعصر الاقتصاد الحر، ولكن ذلك تم مرة أخرى دون ضوابط سياسية واجتماعية، ودون قوانين تحمي حقوق العمال وتحول دون ممارسات الاحتكار والغش التجاري والفساد السياسي والرأسمالي بشكل عام. وخلاصة القول، إن الموجات الثلاث من الرأسمالية المصرية نحو دخول عالم الاقتصاد الحر، جاءت بتحولات حادة أكثر من اللازم، ودون ضوابط قانونية توفر لها الحماية اللازمة، فكانت سلبياتها جسيمة بددت تقريباً كل مكاسبها.

ولهذا الحديث أهمية خاصة على خلفية المشهد الراهن الذي تعيشه مصر في المجال الإعلامي، فالمتابع للتصريحات العديدة التي أدلى بها مؤخراً رئيس الدولة عبد الفتاح السيسي، يستطيع أن يلمس أن هناك حالة من عدم الارتياح للأوضاع الإعلامية الراهنة، وأن هناك رغبة واضحة وصريحة لصياغة مواثيق شرف إعلامية جديدة، تودع مظاهر الفوضى السابقة وترسي قواعد جديدة لإعلام متوازن يعرف حدود دوره فلا يتجاوزها إلى مهام أخرى.

وأغلب الظن أن المجتمع المصري بات بالفعل في أمس الحاجة إلى مثل هذه الضوابط والقواعد الجديدة، فالإعلام المصري هو الآخر على مدار العشرين سنة الماضية، تعرض لتحولات حادة جعلته يدخل عصر السماوات المفتوحة بزخم كبير، ولكن أيضاً دون قوانين وضوابط واضحة، لدرجة أن ممارسات بعض القنوات الفضائية كانت سبباً في إفساد العلاقات مع دول شقيقة. ومن ثم يمكن القول إن مصر على موعد مع إعلام مختلف في زمن السيسي، لمعالجة السلبيات الجسيمة التي نجمت عن التحولات الحادة، وغياب القوانين والضوابط ومواثيق الشرف في هذا القطاع الحيوي.