مهما تعرض الشعب الفلسطيني لانتكاسات وإحباطات، فإن مسار حركته الكفاحية يبقى بخير، من حيث المسار والمصير، ما بقي العكوف على ثابتين جوهريين: يتعلق أولهما بإعاقة السبل أمام تدفق هجرة اليهود إلى فلسطين التاريخية واستيطانهم فيها، والعمل بكل الوسائل المتاحة والإبداعية على كسر مقولة أن إسرائيل تشكل الملاذ الآمن لكل يهودي تستهويه فكرة الانتقال إليها طمعاً في حياة هانئة. أما الثابت الثاني فهو الاستبسال في تعزيز تجذر الفلسطينيين وانتشارهم في وطنهم الأم، وتسييج هذا الوجود بأرقى الأطر والمؤسسات والمعالم الدالة على استحقاقي التحرر والاستقلال.

نطرح هذه القناعة وفي الخاطر أن المشروع الصهيوني يتصل في قيامه وقعوده؛ استمراره وزواله، على قاعدتي استجلاب البشر واستيطان الأرض. لا شيء يساهم في تقويض هاتين القاعدتين المتعامدتين على بعضهما، مثل صفعهما بحقيقة أن فلسطين ليست فضاء خاوياً، بل هي غنية بناسها المؤطرين في مجتمع منظم؛ لا يمكن استئصاله منها بسهولة ولا بصعوبة.

بالنسبة للمشروع الصهيوني، فإن كل ماعدا تهجير اليهود الى فلسطين واستزراعهم في رحابها، مع استبعاد أو إبعاد سكانها الأصليين، يبقى مجرد تفصيلات. وعليه، فإن كل ما يعاكس هذه القاعدة يغذي مراسم إفشال هذا المشروع وصولاً إلى تشييعه.

ونقطة البداية في هذه المعاكسة تقع عند تبلور نزعة عزوف يهود الخارج عن الهجرة من مواطنهم باتجاه اسرائيل من ناحية، وفقدان مستوطنيها لشهية البقاء فيها من ناحية أخرى. من بين ما يمهد لوقوع أحد هذين المحظورين أو كليهما، هو وجود الحقائق الوطنية الفلسطينية وانتشارها في المكان، بحيث يصعب، وليته يستحيل، على المهاجرين اليهود العثور على مساحة فائضة يستخلصونها لأنفسهم أو يقضمونها.

نحن على يقين بأن فقهاء الصهيونية، داخل إسرائيل وخارجها ينطلقون من هذه التعميمات، ويأخذونها بعين الاعتبار الشديد وهم يتابعون الخط البياني الاستراتيجي لسيرورة مشروعهم الاستيطاني، صعودا ونجاحا وهبوطا وضعفا. ولابد أنهم ينزعجون ولا تغمض لهم أجفان، عندما يلحظون أي مؤشرات لانصراف يهود العالم عن خطابهم أو إقبال يهود اسرائيل على الهجرة المضادة. ومؤخرا، أعرب بعضهم عن المرارة من شيوع الاعتقاد بأن نصف يهود اسرائيل تراودهم فكرة مغادرتها نهائيا، بحسبه أحد أبرز الأخطار الاستراتيجية التي تواجهها دولتهم.

في تعليل هذه الظاهرة، بغية التصدي لها ولعواقبها الكارثية، يقال بأن الاسرائيليين باتوا يتأففون من ضغوط الحياة اليومية وضيق الفرص الاقتصادية، كالغلاء وارتفاع أسعار السكن والمواصلات وتدني الأجور.. وأنهم يقيسون هذا الواقع المقبض بما ينتظرهم من آفاق أكثر رغدا اذا ما غادروا الى أوروبا وكندا والولايات المتحدة.

رب قائل بأن هذه الوضعية تثلج صدر حركة النضال الفلسطيني، كونها تناسب، وربما تعجل بتحقيق، ما وصفناه بأحد ثوابت الاطمئنان على مسارها. فالهجرة المضادة تعني إضعاف المحتوى السكاني لكيان استيطاني، لا يمكن له أن ينهض ويدوم بدون الاضافة الى هذا المحتوى، فما بالنا بالخصم منه. هذا صحيح.. بيد أنه من الصحيح تماما أيضا، وغير المناسب بالمرة للمصير الفلسطيني، تفشي ظاهرة أو وضعية مشابهة، وإن كانت غير متماثلة، بين الفلسطينيين أنفسهم. نقصد بذلك نمو نزعة قوية لدى الشباب الفلسطيني، داخل الأرض المحتلة بعامة وقطاع غزة بخاصة، نحو الهجرة إلى عالم الغرب!.

المصادر الإحصائية الفلسطينية تتحدث عن تحول حلم الهجرة إلى هاجس أو وسواس قهري يطال عشرات الآلاف من خيرة هؤلاء الشباب.. والمفارقة أن المبررات التي تتداولها هذه الشريحة لا تبتعد كثيراً عن الهموم الاقتصادية الممسكة برقاب دائرة اليهود المشتاقين لمغادرة اسرائيل.

وقوف الشباب الفلسطيني بأبواب السفارات والقنصليات الأوروبية، طمعا في التجاوب مع طلباتهم للهجرة أمر لافت بحق.. ومكمن الخطورة هنا هو في مخالفة هذه الظاهرة للثابت الفلسطيني العاطف على عدم إفراغ فلسطين من أهم حقائقها الوطنية الأصيلة.

بصيغة أخرى، لا معنى لسرور الحركة الكفاحية الفلسطينية بعجاف إقبال بعض اليهود على الهجرة الى اسرائيل أو البقاء فيها، ما دام بعض الفلسطينيين يتحرقون بدورهم لمغادرة وطنهم. الى ذلك، ثمة فارق كبير بين هجرة مضادة لليهود، لا تعني سوى العودة للأوطان الأم، وبين هجرة فلسطينية تنطوي على اغتراب حقيقي. فهؤلاء الأخيرون ينتمون بكل المعاني والخصائص الى اطار حضاري مغاير للأطر الحضارية في بلدان المهجر، بما سيفرض عليهم أسوأ أنماط القضايا التي يعرفها المنبتون من أوطانهم ومجتمعاتهم وثقافاتهم..

الشاهد أن من تعنيهم صحة مسار حركة التحرر الفلسطيني، عليهم الانشغال بكيفية تثبيت أقدام الفلسطينيين في الوطن.. هذا أمر يحسبه البعض هيناً وهو عظيم.