أوباما وتداعي الحزب الجمهوري

بعيد الخطاب الافتتاحي الثاني الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما في مطلع ولايته الثانية العام الماضي، بادر رئيس مجلس النواب الأميركي جون بوينر إلى القول إن البيت الأبيض سيحاول «القضاء على الحزب الجمهوري» وإلقاءنا في مزبلة التاريخ.

وفي حقيقة الأمر ان الحزب الجمهوري ينجز إنجازاً حقيقياً في القضاء على نفسه. وكما عبر بوب جيندال حاكم ولاية لويزيانا عن الأمر، فإن الجمهوريين يحتاجون إلى: «التوقف عن كونهم حزباً غبياً».

وربما كان تداعي الحزب الجمهوري أمراً حتمياً فالتضاربات والتوترات داخل الحزب تفاقمت على امتداد سنوات منذ قام الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان بتجميع تحالف أصبح الحزب الجمهوري الحديث. وكل ما فعله الرئيس أوباما هو أنه وجد أخيراً الطرق لاستغلال هذه التضاربات.

لم يتوافق الجمهوريون التحرريون قط مع المحافظين الاجتماعيين الذين يريدون فرض تصوراتهم على الجميع، ويدعون إلى انكماش الحكومة في الحزب الجمهوري لم يتفقوا قط مع صقور العجز الذين لا يكترثون لزيادة الضرائب طالما أن العائدات الإضافية تساعد على تقليص حجم العجز.

وجناح الشركات الكبيرة لم يكن مرتاحاً قط مع العنصريين في الحزب الجمهوري، الذين يريدون عزل المهاجرين ومنع الأقليات من المضي قدماً، وشعبويو الجناح اليميني لم يتفقوا قط مع رعاة الشركات الكبيرة ووول ستريت، الذين يحبون الحكومة طالما أنها تقدم لهم ألوان الدعم والخصومات من الضرائب وعمليات الإنقاذ من التدهور المالي.

وقد كسا رونالد ريغان كل هذه الخلافات بنزعة وطنية مناهضة للحكومة، وخياله الوطني ألهم المحافظين الاجتماعيين وغيرهم، وقدم للشركات الكبرى ووول ستريت إنفاقاً عسكرياً هائلاً، وأبهج خطابه المناوئ للحكومة المتحررين وشعبويي الجناح اليميني في الحزب. ولكن تحالف ريغان ظل هشاً، فقد اعتمد بشكل أساسي على إيجاد عدو مشترك يتمثل في الشيوعيين والإرهابيين في الخارج، والليبراليين والملونين في الداخل.

وقد بدا أوباما في فترة رئاسته الأولى غطاء مناسباً، فهو رجل أسود وليبرالي من دعاة الإنفاق الكبير، وربما (حسبما قالوا) ليس أميركياً.

وقد اتهمه الجمهوريون بأنه ليس وطنياً بما فيه الكفاية، وزعمت أجهزة الإعلام اليمينية أنه في قرارة نفسه كان يريد السيطرة على أميركا وتعليق حقوقنا، وأعلن ميتش ماكونيل رئيس الأقلية في مجلس الشيوخ أن إزاحة أوباما من منصبه هي الأولوية الأولى للحزب الجمهوري. ولكن ذلك لم يكلل بالنجاح، فقد كشفت الانتخابات الأولية الجمهورية عام 2012 كل التصدعات في التحالف الجمهوري.

لقد فضحت انتخابات 2012 شيئا آخر في ما يتعلق بالحزب الجمهوري وهو افتقاره التام إلى الصلة بالواقع وعجزه المحير عن رؤية وفهم ما يجري في البلاد، وما علينا في هذا الصدد إلا أن نفكر في تخبط كارل روف على قناة فوكس نيوز في ليلة الانتخابات.

أتاح هذا كله الفرصة الكاملة لأوباما وربما كانت الفرصة التي كان في انتظارها طوال الوقت.

انصب تركيز أوباما في فترة رئاسته الثانية على التأكيد أن الفرصة المتساوية ليست أجندة متطرفة ولكنها تفاقم كل التوترات داخل الحزب الجمهوري وتترك الحزب دون هدف شامل يحتفظ بتحالفه الهش.

في غمار قيام أوباما بالتركيز على الحاجة لقيام الأثرياء بالمساهمة بنصيب عادل لضمان الفرصة المتساوية، ولأي شخص في أميركا سواء أكان فقيراً أم أسود أم مهاجراً أم شخصاً عاملاً متوسطاً لأن يكون قادراً على أن يحقق لنفسه أقصى ما يستطيع، فإنه أيد المثل العليا التي تأسست عليها أميركا بطريقة لا يستطيع الحزب الجمهوري معارضتها، ولكنه أيضا لا يستطيع الاتحاد وراءها. ويقف التاريخ والديموغرافيا إلى جانب الديمقراطيين ولكنهما كانا كذلك على امتداد عقود مضت.

والأمر الجديد هو التصدع الجمهوري الذي يفتح الطريق أمام تحالف ديمقراطي للشباب والنساء والأقليات والمهنيين المنتمين إلى الطبقة المتوسطة، والليبراليين على الصعيد الاجتماعي، وما بقي من الطبقة العاملة المناوئة للشركات.

إذا استطاع أوباما أن يظل واضحاً ومناضلاً على نحو ما كان منذ يوم الانتخابات، فإن فترته الرئاسية الثانية قد تتسم ليس بإنجازاتها فحسب، وإنما أيضا بتفكيكها لما جمعه ريغان وبتعبير آخر فإن تخوف جون بوينر قد يكون له أساس راسخ.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات