احتفل العالم منذ أيام قلائل بيوم المسن العالمي، ومن المتوقع أن تصل أعداد المسنين 1.4 مليار نسمة عام 2030، مما يتطلب التصدي للتحديات التي تواجه كبار السن ليستمروا في ممارسة حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية بشكل طبيعي، خاصة أن مصطلح مسن لا يعني أنه توقف عن العطاء أو وصل إلى المرحلة التي يكتفي بمشاهدة من حوله دون أن يساهم مساهمة مؤثرة في محيط أسرته ومجتمعه.

ولقد أثار شجوني ذلك الاحتفال الذي أقامته دار المسنين في إمارة عجمان، بحضور معالي مريم خلفان الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية، وما استرعى انتباهي، فضلا عن تلك الروح الطيبة التي لفت الحضور وغشيت المكان، والتي طبعته بطابع الأسرة الواحدة بعيدا عن الصبغة البروتوكولية التي غالبا ما تتصف بها تلك الاحتفالات، ساعد عليها تلك الحفاوة التي كرمت بها الوزيرة المسنين، ونزولها من على منصة الحفل تستقبلهم وتقبل جبين كل منهم.

كما هو شأن الأبناء البررة بآبائهم وأمهاتهم، وهو تطبيق عملي لرؤية الوزارة التي تتمثل في «مجتمع متلاحم مسؤول مشارك في التنمية الاجتماعية»، وتلك قيمة تستحق الحفاظ عليها وغرسها ورعايتها جيلاً بعد جيل، مهما تبدلت الأيام ومرت السنون، وجاءت العولمة بقدها وقديدها، ذلك أن الحفاظ على متانة النسيج الاجتماعي وترابط أفراده هو خط الدفاع الأول عن الوطن ومكتسباته.

ما استرعاني في الاحتفال أنه انتقل بكبار السن من فئة تستحق الرعاية والتكريم، إلى الكشف عن الأدوار التطوعية التي يقومون بها في مجالات مختلفة.

وفي ذلك رسائل كثيرة، منها الأثر النفسي لدى كبار السن أنهم لا يزالون قادرين على العطاء، وأن هناك من هو بحاجة إلى الاستعانة بخبرتهم وهي كبيرة، وجهدهم ولو كان قليلاً، ولا شك أن ذلك الدعم النفسي أهم من كل العقاقير التي يتناولها المسن لعلاج أمراض كثيرة، مرجعها إلى الحالة النفسية التي تصيبه عندما يشعر أن دورهمفي الحياة قد أفل أو أوشك، فضلا عن أن العمل التطوعي للمسن يشعره بأنه ليس عالة على غيره، كونه يقوم بدور يستطيع من خلاله أن ينفع غيره، فالحياة قائمة على حاجة كل منا للآخر مهما كان حجم ما يقوم به من عمل، وإلا أصبح كل منا يعيش في عالمه منعزلاً عن غيره وهو ما لا تستقيم الحياة معه.

كما أنه يعيد للمسن ثقته بنفسه ولياقته النفسية، أو ما يسمى التأهيل النفسي الذي يحميه من الاكتئاب، وهو أشد ما يصيب المسن حين تنعدم لديه الرغبة في الحياة، إضافة إلى التنشيط الدائم للذاكرة. كما أن اضطلاع كبار السن بمهام تطوعية، يحمل رسالة تربوية يتعلمها أبناؤنا عبر القدوة والنموذج، وأن العطاء لا يرتبط بمرحلة سنية محددة، فالقدرة على العطاء طاقة نفسية قبل أن تكون قدرة جسدية، ولا شك أن المسن الذي قام بغرس فسيلة يوضح لمن حوله كيف يطبق عملياً قول الرسول الكريم «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، كما أن هذه الفسيلة ستظل شاهدة على عطائه وحبه للإنسانية من حوله، لأنه لا يعرف من المستفيد منها، فالكل في الإنسانية إخوة «كلكم لآدم وآدم من تراب».

ولأن ذلك النهج الذي بدا واضحا في تعامل دار المسنين في إمارة عجمان مع روادها، فقد التف حولها كثير من المتطوعين والمتطوعات من الأجيال الشابة لمساندة المسنين ورعايتهم، كيف لا وقد قدموا المثل بأنفسهم من قبل!

وكم كانت سعادة هؤلاء الشباب وتعاطيهم مع المسنين تشعر كأن هناك علاقة عميقة من الود والحب والتقدير بعيدا عن المسؤولية الرسمية، وتلك ميزة أخرى، فالقدرة على العطاء ونفع الغير قيمة من اكتسبها في مقتبل العمر صعب أن يتخلى عنها، وتظل لصيقة بكل ما يقوم به من أعمال ويسند إليه من مهام، لتصبح مساندة ورعاية المسنين مدرسة تخريج جيلا من شباب لم يعش لنفسه، ولله در من قال «ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط».

ومن يتعلم فضيلة البر بالمسنين دون صلة من دم أو نسب، لا شك هو بلحمه ودمه أشد براً، وهذا ركن كبير للحفاظ على أصول حياتنا وقيمنا الاجتماعية، في زمن تنفصم فيه العرى وتقطع الأرحام في مختلف المجتمعات التي طغت عليها «الأنا»، وأغرق الانسان في الاعتناء بذاته وذاته فقط.

وفي تقديري أن دور جمعيات رعاية المسنين يجب أن لا يقتصر فقط على كبار السن باعتبارهم جمهورها المعني بما تقدمه من خدمات ولكن ينبغي التوجه إلى الأفراد الذين يتعاملون مع كبار السن أو هؤلاء الذين يعيش بينهم كبار السن في بيئتهم الطبيعية لتوعيتهم بالجوانب النفسية للتعامل مع المسن، وهي لا تقل أهمية عن الرعاية البدنية، فضلا عن القواعد التي يجب أن يتبعها المسن في حياته اليومية، حتى ينتفي لديه الشعور بالاحتياج الدائم لمن حوله.

إن جزءاً كبيراً من سلوكياتنا يكتسب من خلال رؤية أشخاص يشبهوننا في نفس المرحلة العمرية والظروف الاجتماعية والحالة البدنية، يقومون بأعمال محددة، مما يدفعنا إلى ما يسمى بالتماثل أو التقمص الوجداني وبخاصة في هذه المرحلة العمرية، لذا فإن قيام كبار السن بالأدوار التي تضفي على حياتهم مزيدا من الحيوية كفيل بأن يجعل آخرين يحاكونهم مما يصنع حالة جديدة في أسلوب حياتهم، يتجدد فيها الأمل، ويتم الاستمتاع بتلك المرحلة العمرية، التي يحظى فيها كبار السن بمخزون هائل من خبرة السنين وتجارب الحياة.