منذ ما يقرب من ستين عاماً، فاجأت مصر العالم، بل وفاجأت نفسها، بعمل عظيم، حوّلها بين يوم وليلة، من دولة صغيرة إلى دولة قائدة من قادة العالم الثالث، ومن دولة متميزة من بين مجموعة الدول العربية إلى زعيمة للأمة العربية.
كان قيام مصر بتأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 عملاً شجاعاً سرعان ما اتخذ من جانب دول العالم الثالث رمزاً لرفض التبعية للعالم الصناعي الرأسمالي، ومن جانب المصريين بمثابة تدشين لعهد جديد من استقلال الإرادة، والتنمية الصناعية السريعة، واللحاق بالعالم المتقدم صناعياً وتكنولوجيا، وإنهاء عهد طويل من الظلم الاجتماعي، كما اعتبرته بقية الدول العربية بداية لتوحيد صفوف العرب في جهد مشترك لتحقيق الذات والمساهمة الإيجابية في الحضارة الإنسانية.
لم تشهد مصر فقط حدًثا مدهشا بتأميم قناة السويس في 1956 بل شهدت أيضاً عقدا مدهشا تالياً على هذا الحدث، إذ فاجأت مصر نفسها أيضا، وفاجأت العرب والعالم، خلال العشر سنوات الفاصلة بين منتصف الخمسينيات ومنتصف الستينيات، بسلسلة من الإنجازات الرائعة في ميادين مهمة: في التنمية الاقتصادية، إذ دشَّنت ثورة صناعية صغيرة، وبدأت وأتمت بناء السد العالي، وتبنّت نظاماً ناجحاً في التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، وأحرزت تقدماً ملموساً في تضييق الفجوة بين الطبقات، وفي الارتفاع بمستوى إشباع الحاجات الأساسية من السلع الغذائية والمسكن والتعليم والصحة، وتوسعت في إرسال البعثات العلمية للخارج، واستخدام الخبرة الأجنبية اللازمة لتحقيق التقدم الصناعي واستصلاح الأراضي والارتفاع بالقدرة العسكرية، كما ترسَّخت زعامتها للعالم العربي، بما قدمته من مساهمات ناجحة لتحرير البلاد العربية التي لم تكن قد تحررت بعد من الاستعمار، خاصة في الجزائر وعدن، وفي تدعيم التعاون الاقتصادي والثقافي العربي.
وضعت الهزيمة العسكرية في 1967 نهاية محزنة لهذه الإنجازات المدهشة. كان الهجوم الإسرائيلي في 5 يونية 1967، على ثلاث دول عربية، والذي كان مدعوماً عسكرياً وسياسياً ومالياً، من أقوى دولة في العالم، عدواناً صارخاً يستهدف وضع حد لتجربة نبيلة تحاول فيها دولة صغيرة ممارسة حرية الإرادة، وتحقيق نهضة شاملة. ولكن هذه الهزيمة العسكرية كانت ناتجة أيضاً عن قصور مهم في هذه التجربة نفسها، وأخطاء داخلية تتعلق أساساً بالفشل في إقامة نظام ديمقراطي يطلق كل الطاقات الكامنة في شعب طموح وذكي، أحاطت بطموحاته للأسف مطامع خارجية أنانية في الاستغلال والقهر، وتطلعات داخلية فردية للتسلط.
كانت النتيجة المحزنة ما لا يقل عن أربعة عقود من التقهقر أو الشلل في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ بينما حلت محل الدولة الملتزمة بمشروع نهضوي وطني، دولة "رخوة"، إزاء أعداء النهضة في الخارج والداخل، استمر السكان في مصر يزيدون بمعدل مرتفع لا يسايره معدل الزيادة في الاستثمار والموارد الاقتصادية المتاحة.
وهكذا لم يزد متوسط الدخل الحقيقي في مصر، خلال هذه العقود الأربعة (1967-2010) مأخوذة ككل، إلا زيادة طفيفة، وازدادت نسبة العاجزين عن إشباع حاجاتهم الضرورية، وتدهورت حالة البيئة في المدن والقرى على السواء وفي ظل توزيع مختل للقوة السياسية زاد أيضا اختلال توزيع الثروة والدخل، وانتشرت صور الفساد في مختلف مراتب الحياة الاجتماعية والسياسية. شهدت مصر ايضا في هذه العقود الأربعة، نظاماً سياسياً يدعى الديمقراطية وهو قائم في الحقيقة على تركيز شديد للسلطة، إلى حد محاولة توريث رئاسة الجمهورية من الأب لإبنه.
وخلال ذلك كله أبدى الممسكون بالسلطة تهاوناً مخزياً إزاء استهتار القوى الخارجية بالسيارة المصرية، وبإرادة المصريين وكرامتهم، مما ترتب عليه انهيار مركز مصر في العالم العربي والعالم الثالث، وشجع بعض الدول الإفريقية على تعريض مصر لخطر يتعلق بمورد أساسي من موارد الحياة في مصر وهو نهر النيل، كما فقدت مصر مكانتها الرائدة لحركة نهضوية في المنطقة العربية، ولحركات المقاومة في بقية العالم الثالثن ضد ما تمارسه القوى الكبرى من قهر واستغلال.
* * *
في ظل دولة هشة وعاجزة، كالتي شهدتها مصر خلال العقود الأربعة الماضية، بدت مصر كالريشة في مهب الريح، يعبث بها تطور الأحداث في المنطقة العربية وفي العالم، دون أن تبدي أي قدرة على الإفادة من أي تطور إيجابي وتعظيم أثره، ولا على مقاومة أي تطور سلبي لتحمي الشعب منه.
فحتى الإنجاز العسكري الرائع الذي حققه المصريون بعبور قناة السويس في 1973، لم تستطع السلطة السياسية استغلاله لتحقيق الآمال السياسية والعسكرية التي عقدها المصريون على الإنجاز العسكري، بل قنعت السلطة السياسية بعقد اتفاقيات متتالية مع العدو، ومهنية سياسياً وعسكرياً، انتهت بزيادة عزل مصر عن بقية العرب.
أما ارتفاع أسعار البترول الذي حدث في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وترتبت عليه هجرة واسعة النطاق إلى مختلف البلاد الغربية من جانب المصريين الذين عجزت السلطة المصرية عن توفير فرص عمل مجزية لهم – فلم تحاول أيضاً الدولة المصرية استغلاله بخلق فرص مجزية للاستثمار أمام مدخرات المصريين العاملين بالخارج، مما يساهم في تحقيق نهضة صناعية وزراعية داخل مصر. بل فُتحت أبواب الاستهلاك البذخي والمظهري أمام المصريين، وسُمح لوسائل الإعلام بإثارة تطلعات استهلاكية جديدة لم يفر منها إلا مصدرو السلع الاستهلاكية الأجنبية ووكلاؤهم في مصر.
ترتب على ذلك تطورات اجتماعية خطيرة. فبالإضافة إلى زيادة النهم الاستهلاكي، وارتفاع معدل التضخم بلا ضابط، زادت حدة الازدواجية في المجتمع المصري التي ارتبطت باتساع الفجوة بين الثروات والدخول. فزادت الازدواجية في مختلف مظاهر السلوك وأنماط الحياة، بما في ذلك أنماط التعليم ونفسه، ولغة التخاطب. وقد فجر هذا النمو في الازدواجية الاجتماعية ظاهرة مخيفة لم تشهد مصر مثلها لعهود طويلة، وهي ظاهرة التطرف الديني، التي افترست بعدوانية غير مسبوقة إبراز أصحاب الأديان المغايرة، وانتشر هذا التطرف وهذه العدوانية، في الشارع المصري، وفي المدارس والجامعات وفي وسائل الإعلام، مما خلق حالة مفرعة من الإحباط واليأس لدى الأقباط، دفعت الكثيرين منهم إلى الهجرةن وإضعاف رغبتهم في تقديم مساهمة إيجابية في النهوض بالوطن.
لم يكن غريبا أن يقترن هذا بتدهور شديد في طبيعة الخطاب الديني السائد، وأن تظهر، وتكثر، أمثلة مذهلة في درجة لا عقلانيتها في تفسير الدين، سواء المتعلقة بتغليب المظهر على الجوهر، والاهتمام بالسلوك الخارجي دون ما يجري في داخل الذهن والقلب، أو تفضيل انسحاب المرأة من الحياة الاجتماعية، أو الدعوة إلى تقليد عادات قد تكون قد عرفت في فترات سابقة من تاريخ المصريين والمسلمين، فكرتها لم تعد ملائمة للعالم المعاصر، فضلا عن انعدام الصلة بينها وبين مبادئ الدين وأهدافه.
أدى النمو في قوة هذه الحركات المتطرفة والدعوات اللاعقلانية، والمنافية للحاجات الطبيعية للإنسان، ولمتطلبات الحياة في العالم المعاصر، إلى نمو شعور ثقيل بالاغتراب لدى شرائح واسعة من المصريين، مما زاد من قوة شعورهم بالإحباط والإحجام عن المشاركة في أي جهد مطلوب لنهضة وطنهم، بل ودفع أعداداً كبيرة منهم للهجرة إلى الخارج.
كان كل هذا يحدث في مصر بينما يرى المصريون دولا أخرى كانت حتى وقت قريب أقل تقدماً من مصر في مستوى المعيشة ومتوسط الدخل وفي حالة التعليم (كالصين والهند) تحرز خلال هذه الأربعين عاماً قفزات هائلة نحو الأخذ بأساليب الحياة الحديثة والتقدم في العلم والمعرفة والتنمية وتحسين نوعية الحياة. كم رأى المصريون بلاداً إسلامية كانت أحوالها الاقتصادية والاجتماعية مثل حالهم منذ أربعين عاما، فحققت تقدما رائعاً في مختلف المجالات، دون التنكر لتراثها الحضاري والديني كماليزيا فأثبتت أن من الممكن الجمع بين الأخذ بأساليب التقدم ومتطلبات الدولة العصرية، وبين الاحترام الواجب لتراث الأمة.
كان هذا هو حال مصر عندما قام المصريون بثورة في 25 يناير 2011. فما الذي حدث منذ ذلك الوقت؟
(للحديث بقية)