يصادف السابع من أكتوبر ذكرى وفاة المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، باني نهضة دبي. ويحق لدبي أن تقف إجلالاً لذكرى راشد، وهو الذي وقف حياته لبنائها لتتحول إلى المدينة المثال التي يشار لها بالبنان.
ذكرى وفاة راشد هذا العام يحق لنا أن ننظر لها بطريقة مختلفة، ليس لأن راشد أراد لدبي أن تكون مختلفة عن مثيلاتها من المدن والحواضر العربية فحسب، بل لأن دبي تلبس ثوباً جديداً ومختلفاً في كل فترة، انعكاساً لطبيعتها الديناميكية.
أراد راشد لدبي أن تكون مدينة عالمية كسنغافورة وهونغ كونغ وغيرها من المدن الديناميكية، رغم أنها كانت تعيش في وسط بيئة شديدة المحافظة وبطيئة الحراك؛ أراد راشد لدبي أن تكتفي ذاتياً من حيث الموارد المالية، رغم أنها تعيش في بيئة صحراوية جرداء لا تملك مورداً ثابتاً؛ أرادها مقصداً عالمياً جاذباً على الرغم من أنها كانت تعيش في بيئة طبيعية طاردة. كانت أحلامه كبيرة إلا أنها، وفي نظر راشد، لم تكن صعبة المنال.
امتلك راشد، كأسلافه، رؤية مستقبلية بعيدة المدى، طورها من خلال استراتيجيات عديدة قابلة للتطبيق، وممارسات متميزة أهلت تلك المدينة وسريعاً لاحتلال مرتبة متقدمة بين المدن.
فنهضت دبي مستفيدة من عدة عوامل، ربما لو لم يكن راشد يتابعها ويوظفها التوظيف الصحيح لكانت سبباً لتراجع المدينة وليس تطورها. كانت الظروف الإقليمية في المنطقة ككل غير مهيأة لظهور مدينة صغيرة تنافس على الموارد البسيطة، وغير مهيأة لظهور ميناء جديد ينافس على الاستيراد والتصدير.
فجميع دول المنطقة تمتلك موانئ وقدرات مادية قادرة على التشغيل، ولكن دبي امتلكت شيئاً مميزاً: امتلكت «المدينة – الميناء»، التي من شأنها توظيف القدرات الحضرية والبحرية معاً، وإدماجها ضمن رؤية استراتيجية مميزة لجعل هذه المدينة تضج بالحياة والحركة.
بدأ راشد في وضع تصور لدبي، من حيث امتلاكها بنية تحتية متطورة جداً كمثيلاتها من المدن النشطة.
لم يكن راشد يحلم إلا بالمشاريع ذات الجدوى العالية، كالمشاريع المتعلقة بالبنية التحتية من الجسور والأنفاق والمرافق العامة، حتى باتت دبي مضرب الأمثال في تطور البنى التحتية. ولم يهمل راشد المشاريع ذات الجدوى المستقبلية، كالموانئ الكبرى ذات الأرصفة المتعددة والمطارات والمشاريع التي كان البعض يرى فيها ضرباً من الجنون، لأنها مشاريع عملاقة بالنسبة لدبي الصغيرة.
امتلك راشد من الطموح ما أهله ليأخذ مكانة كبيرة بين حالمي وسياسيي عصره، من أمثال الملك عبدالعزيز بن سعود وجمال عبدالناصر ونهرو وغيرهم من رواد تلك الفترة، على الرغم من أن الفرق بينهم وبين راشد كان كبيراً. فأولئك الحالمون امتلكوا من الموارد المالية والبشرية ما أهلهم لتحويل طموحهم وخططهم الاقتصادية والسياسية إلى واقع، أما راشد فإنه لم يمتلك سوى الحلم والطموح.
وبالرغم من ضيق ذات اليد فإن تلك العوائق لم تقف عقبة في طريقه، فسرعان ما تغلب عليها بالاقتراض لإنشاء الجسر والنفق وتعميق الخور. وبسرعة أصبحت تلك المشاريع ليست فقط شاهداً حيوياً على نهضة دبي، ولكنها شاهد على رؤية راشد وعمق نظرته المستقبلية.
ما أن وضعت دبي أسسها الحضارية حتى شاعت شهرتها وأصحبت المدينة الميناء القادرة على الحراك، حتى وسط الرياح الإقليمية التي واجهتها منطقة الخليج في فترة الثمانينات.
فعلى الرغم من تلك الحروب الكبرى التي شهدتها المنطقة، فإن دبي استطاعت وبذكاء وبحس تجاري متميز، أن تقاوم كل أمواج الشد والجذب، وأن تبحر بسلام لتكون الميناء الذي يوفر لجميع الأطراف الفائدة والمنفعة، ولها العائد الاقتصادي المجزي.
وما أن اجتازت المنطقة حقبة الثمانينات حتى كانت دبي قد تأهلت بحق لتكون المدينة والميناء الأهم والأكثر شهرة في منطقة الخليج العربي.. هكذا تركها راشد في عام 1990. وعلى الرغم من أن التهديدات السياسية في الخليج لم تنته في حقبة التسعينات، فإن دبي استفادت من تاريخها دروساً وعبراً وظفتها جميعاً في خدمة اقتصادها وتقدمها الحضري.
ذكرى وفاة راشد هذا العام تأتي ودبي قد حققت قفزات عالية نحو العالمية، بينها شرف استضافة معرض اكسبو 2020، والذي يعد نقطة جميلة تضاف إلى سجل إنجازاتها العالمية. ليس هذا فحسب، بل أصبحت دبي المركز المالي والتجاري الأهم في منطقة الشرق الأوسط، ومدينة العطاء الإنساني. هكذا أراد لها مؤسسوها، وفي هذا الطريق يسير بها ربانها الماهر.