ما الذي يجعل أسيراً يواجه الموت يتفوه بعبارات ترضي جلاديه وتسيء لبلاده أو تسيء لشخص رئيسها وهو على علم بأن ذلك لن يغيّر من المصير الذي سيؤول إليه؟
ما سمعناه من الصحافيين الأميركيين اللذان نحرهما تنظيم داعش أخيراً يندرج في هذا السياق، فقد قال الضحية الأول جيمس فولي إن أميركا هي قاتله الحقيقي لاستخدامها الغارات الجوية لمساعدة القوات الكردية في استعادة السيطرة على سد الموصل من أيدي مسلحي داعش. أما الضحية الثاني ستيفن سوتلوف فقد قال مخاطباً رئيسه "أوباما أن سياستك الخارجية في التدخل بالعراق من المفروض أن تكون لحماية حياة المواطنين الأميركيين وتأمين مصالحهم فلماذا أدفع أنا حياتي ثمناً لها؟"، وهو كلام ما كانا ليتفوها به وهما في وعيهما في ظروف طبيعية.
ويدخل في السياق نفسه ما سمعناه من عبارات مسيئة قيلت بحق رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وحكومته من قبل عدد كبير من الجنود العراقيين من ضحايا معسكر سبايكر وهم يساقون مذهولين إلى الموت.
لا شك أن التفوه بتلك العبارات المتخاذلة كان بدافع الخوف الذي صنعه مشهد الموت المرعب الذي برع تنظيم داعش بإعداد مسرحه، فالخوف ظاهرة غريزية كامنة في النفس البشرية وهذا ليس بالأمر المعيب، فالخوف قد يكون خوفاً عابراً يزول بزوال مسببه وقد يكون خوفاً دائماً يسكن كل إنسان كالخوف من الموت أو الخوف من المرض. إلا أنه من الناحية الواقعية يتضاءل هذا الخوف الدائم ويزول حين يواجه الإنسان ما يخاف منه، إذ لم يعد الخوف من الموت خوفاً حين يواجه الإنسان الموت ولم يعد الخوف من المرض خوفاً إذا إبتلي به.
إلا أن ما شهدناه ليس بالشيء الذي يمكن الحكم عليه وفق قواعد هذا المنطق فقد كان أمامنا في الحالتين إنساناً مقهوراً تخضع سايكولوجيته عند دراستها والتأمل بها لاعتبارات ربما تختلف عما هو مألوف. فالصحافيان الأميركيان كانا في أسر تنظيم داعش لفترة ليست قصيرة ولا شك أنهما عانيا من ذل الأسر ومن الخوف الدائم من الموت الوشيك ما أوصلهما إلى حالة فقدان الإحساس بالحياة أو ما يمكن اعتباره انسحاقا تاماً للروح، أما ما شهدناه عن ضحايا معسكر سبايكر فكان حالة إنسان أنهكه القهر.
فهل يكمن وراء هذا الانكسار استرحام خافت ورجاء يائس مبعثه التمسك بأوهى الخيوط من أجل البقاء على قيد الحياة؟ إن مواجهة الموت ليست بالأمر الهين على من لا يمتلك قضية ترخص حياته ثمناً للدفاع عن نبل مقاصدها وقداسة أهدافها. فقد وقف رجال أشداء في بلدان عدة في الماضي والحاضر يواجهون جلاديهم بصلابة وهم مرفوعو الرؤوس مصرون على التمسك بالمبادئ التي يعتنقونها وعلى المواقف التي اتخذوها في خدمة قضيتهم.
الإعلاميون يعلمون جيداً أن تغطية أخبار الحروب والمعارك في ميادين القتال أمر على درجة كبيرة من الخطورة وإن من غير المستبعد أن يلقوا حتفهم في عمليات تبادل إطلاق النار وليس لغير هذا السبب.
الصحافيان الأميركيان قد تقبلا هذه المجازفة بحضورهما لنقل المشهد الحربي في سوريا دون أن يأخذا بنظر الاعتبار أن الإعلام ليس سلطة تتمتع بالحصانة في كل مكان من العالم. إنهما لا ينتميان إلى المؤسسة الرسمية الأميركية التي تحاسب من لا يتقيد بأخلاقياتها وإن ما تفوها به وهما يواجهان الموت لا يسيء إلى هذه المؤسسة بل يحسب عليهما فقط.
أما في حالة ضحايا معسكر سبايكر فالقضية تختلف كثيراً، فهؤلاء ليسوا من الحشد الشعبي الذي جمع على عجل وزج به في بعض المعارك بل هم جنود نظاميون من المفترض أنهم مروا بما يتطلبه الانخراط في صفوف الجيش من إعداد تربوي ونفسي ومهني ومؤسساتي ووطني.
إنهم جنود نظاميون ينتسبون إلى مؤسسة رسمية حساسة، الانتماء إليها يتطلب إقراراً وتعهداً بصيانة أسرارها والحفاظ على هيبتها وكرامتها وكبريائها. فمن المفترض أن يكون المنتسب للقوات المسلحة معرضاً للقتل أو للأسر وإلى الاستجواب من قبل آسريه وربما التعرض للتعذيب للإدلاء بما يعرفه من أسرار عن الوحدة العسكرية التي ينتمي إليها وموقعها والكثير من التفاصيل التي تتعلق بأدائها ..
ومن واجبه المهني بل شرفه العسكري ألا يتعاون مع آسريه بل يقاوم كل الضغوطات التي تسلط عليه فما بالك بما شهدناه من تخاذل واندحار كلي إن عبر عن شيء فهو يعبر عن بؤس الإعداد المهني لهؤلاء الجنود وعن عدم وجود عقيدة وطنية تلزمهم بالبلد وبالمؤسسة التي ينتمون إليها.
لست هنا بصدد الخوض في ملابسات ما جرى والبحث عن من هو المسؤول عن مأساة معسكر سبايكر التي دفع المئات من الشباب حياتهم فيها على أيدي مجموعة من القتلة المحترفين في ظروف كان من الممكن ألا تحدث على الإطلاق لو كانت مقاليد الأمور بأيدٍ نزيهة وكفؤه وأمينة على مصالح العراق فذلك متروك للجهات الرسمية التي تتولى التحقيق بهذه القضية.
إلا أن ما أود الإشارة إليه في هذا الصدد هو أننا قد شهدنا في هذه المأساة حالة إنسان مقهور مستسلم لمصيره بشكل تام وهي حالة لا يمكن أن تعزى للظرف الطارئ على مدى يوم واحد أو يومين منذ وقوع هؤلاء الضحايا في الأسر ولغاية سوقهم للموت، بل تعزى لقهر وانسحاق واستسلام على مدى أمد طويل بسبب الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي يمر بها العراق والتي سحقته وجعلته كائناً من غير هدف.