جاءت زيارة الرئيس الأميركي للجمهورية الصغيرة في البلطيق إستونيا التي كانت جزءا من الاتحاد السوفيتي السابق وإعلانه في الثالث من سبتمبر الجاري عن إلتزام حلف الناتو بالدفاع عنها وفق المادة الخامسة من ميثاقه في حالة تعرضها لهجوم، جاءت متناغمة مع نسق التصعيد في الحرب الباردة بين الغرب وروسيا .

والتي بدأت تسخن منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية وتفتح شهية الرئيس الروسي لقضم بعض جيرانه. النقاط الساخنة بين الغرب وروسيا تزداد عددا وحدة، فها نحن نشهد ظهور بؤرة أخرى ملتهبة يقف فيها الجانبان على طرفي نقيض..

في منطقة شهدت صراعا حادا بين الغرب والاتحاد السوفيتي في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن المنصرم. فالغرب يقرر العودة إلى منطقة الشرق الأوسط بقوة ممتطيا حصان داعش في حملة غير مسبوقة يتحشد فيها في تحالف دولي مكون من أربعين دولة ليس بينها روسيا أو أحد حلفائها، لمحاربة تنظيم داعش في عقر داره في العراق وسوريا.

روسيا تتحفظ كثيراً على هذا التحالف الدولي خاصة ناحية شمول مواقع تنظيم داعش في سوريا بأهداف التحالف بحكم التخوف على مصير حليفها في دمشق. من جانبها إنحازت إيران إلى جانب روسيا في التحفظ على التحالف وعلى أهدافه خاصة بعد حصول الرئيس أوباما على الضوء الأخضر من الكونغرس بمجلسيه لتنفيذ خطته برصد خمسمائة مليون دولار لإعداد خمسة آلاف مقاتل من المعارضة السورية.

منطقة الشرق الأوسط ومنذ اتفاقية سايكس بيكو تشهد حالات عدم استقرار متنوعة لعيوب بنيوية كبيرة في هيكلية النظام السائد في بعض دولها من جهة وفي العلاقات بين هذه الدول من جهة أخرى. كشفت هذه العيوب وأظهرتها إلى العلن التغيرات الفكرية والديموغرافية التي جرت على مدى قرن من الزمن في ساحاتها المختلفة على أسس قومية ودينية ومذهبية وثقافية ومناطقية مع تراجع تدريجي في نفوذ الدول الكبرى فيها.

فالنظام الإقليمي التقليدي الذي ساد في المنطقة على مدى القرن الماضي يوشك على الإنهيار إلا أن البديل ليس جاهزا تماما ولا يمكن افتراض أن ميلاده سيكون سالكا، فالتوازنات القائمة فيها قلقة إلى درجة كبيرة وليس من السهل إعادة ترتيب البيت الداخلي لبعض دولها دون إشراف دولي مباشر.

حين أطلقت الولايات المتحدة الدعوة لشرق أوسط جديد أبان عهد الرئيس السابق بوش وواصلت ترويج مبدأ التغيير مع مجيء الرئيس أوباما وساندت الربيع العربي وتخلت عن حلفاء استراتيجين سمح خلو الساحة السياسية من قوى حليفة للغرب باندفاع التنظيمات الدينية بشتى ألوانها وأطيافها إلى الواجهة لملىء الفراغ، وهي تنظيمات تستند إلى إيديولوجيات كانت ولاتزال في حالة خلاف وتصادم فكري وسياسي تُرجم في أكثر من مكان إلى صدام مسلح.

وبهذا انتقلت حالات التوازن القلقة إلى وضع جديد أكثر هشاشة واهتزازاً لم يكن في صالح الشعوب قدر ما كان في صالح قوة إقليمية عملت بجهد وتخطيط على تدمير النظام الإقليمي السائد ووضع معالم نظام جديد ليس بالضرورة يتيح لشعوب المنطقة فضاء أوسع من الحريات لتحقيق طموحاتها قدر ما يؤسس لنفوذ أكبر لهذه القوة الإقليمية، وهو ما هيأ الأرضية وخلق الأجواء لولادة تنظيمات مليشياوية متطرفة على أسس دينية مذهبية تتفوق في قوتها على قوة الجيوش.

عودة الغرب هذه إلى المنطقة سيتطلب بكل تأكيد اتخاذ قرارات حاسمة من قبل الولايات المتحدة في بعض أطوار حملته العسكرية، وفي هذا الصدد قد يحدث ما يعيق ويربك حملة التحالف الدولي برمتها. فلم يعد خافيا الخلاف بين المؤسسة العسكرية وبين الرئيس الأميركي حول ضرورة إشراك قوات برية في بعض مراحل هذه الحملة على داعش.

وهو ما يراه المختصون العسكريون ويرفضه الرئيس. مشكلة الرئيس الأميركي أنه يصر على الاستمرار في أداء دور الحمامة وهو في موقع يتطلب أن يكون شاغله واحداً من أكبر الصقور خاصة حين يكون على الطرف الآخر منافس وخصم بمواصفات الرئيس الروسي فلاديمير بوتن.

الحقيقة أن حجم تنظيم داعش وقوته لا يستدعي هذا الحشد الدولي، فالتضخيم الإعلامي لحجم وقدرات هذا التنظيم له أهداف أبعد من مجرد العمل على القضاء عليه، فالغرب عازم على العودة إلى المنطقة بقوة لأنه وصل إلى قناعة بأن عوامل التغيير للنظام الإقليمي قد أصبحت ناضجة ولا يريد أن يكون غائباً عن وضع بعض اللمسات عليها، فهو لم يفقد شهيته لثروات هذه المنطقة بعد...

ولن يتنازل عن دور القابلة للنظام الجديد. فهو يستند في مقدمه إلى الشرعية التي أضفيت على هذا التحالف وعلى الترحيب به من قبل معظم دول المنطقة وعلى الدعوة الرسمية من الحكومة العراقية ومستغلاً كذلك طول الفترة الزمنية لمهمة هذا التحالف التي لم يحدد لها سقف زمني.

فالغرب حريص على ألا يطال انهيار النظام الإقليمي الموقف التقليدي لدول المنطقة من أوروبا وأميركا وعلى ألا تتأثر العلاقات السياسية والاقتصادية التي تربط دول المنطقة مع هاتين القارتين بل يقتصر على تغييرات جوهرية في البنى الهيكلية لبعض دولها التي نضجت فيها أسباب التغيير.

التحالف الدولي الذي تشكل من أجل الدفاع عن العراق الذي عجزت قواته المسلحة في الوقوف بوجه تنظيم داعش هو المظهر الأكثر دلالة على تدويل القضية العراقية بعد أن فشلت قواه السياسية على مدى إحدى عشرة سنة من الخروج بصيغة تعيد للبلد استقراره.