تعرضت الشخصية الخليجية خلال العقدين الأخيرين لجرعة قوية من التغير من جراء مؤثرات لم نعهدها من قبل. التغيرات التي لحقت بها طالت طرائق التفكير وأثرت على أنماط الخطاب الإعلامي والديني والسياسي. الكثير تغير فينا حتى بتنا ننظر إلى أنفسنا بنظرة مغايرة عن ذي قبل.

المؤثرات التي أثرت فينا لم تكن جميعها من صنع أيدينا. فنحن كعرب نؤمن كثيرا بنظرية المؤامرة وبأننا مستهدفون في ثرواتنا ووحدتنا الاجتماعية وتلاحمنا وأشياء أخرى نعتقد أننا نحسد عليها، فالكثير من التغير طرأ علينا بحكم مؤثرات خارجية.

أحد أهم المتغيرات التي طالت الشخصية الخليجية خلال الفترة الماضية هي في طرائق وأنماط التفكير حتى كان يمكن التنبؤ بطريقة تفكير أهل المنطقة وبالتالي ردود أفعالهم.

فلم يكن يوجد مؤثرات إعلامية وفكرية قوية ترسم ملامح تفكيرنا وتوجه الى مناحٍ معينة أو وجهات أخرى سوى وجهة نظر قنواتنا الإعلامية المحافظة والملتزمة بمسار واحد لا تحيد عنه ووجهة نظر رجال العلم والدين، التي كانت سائرة هي الاخرى في مسار واحد.

فلم نكن متعودين على سماع أصوات تخالف ما يذاع في وسائل إعلامنا المحافظة أو فتاوى تخرج عن نطاق ما تعودنا عليه. ثم فجأة ظهرت قنوات اعلامية خليجية تعتمد كما تدعي الرأي والرأي الآخر غيرت عقول الناس وفتحت أمامهم فضاءات فكرية مختلفة.

وبدأنا نستمع لصوت جديد احترنا في تفسير مغزاه. البعض يرى أن من حقنا أن نستمع الى كل الحقائق حتى المخالفة لما نؤمن به، والبعض الاخر اتهم تلك القنوات بالفتنة وبأن وجودها هو في واقع الأمر جزء من المؤامرة الكبرى التي تستهدف التغلغل الى عمق ثقافتنا وطرائق التفكير والنيل منها.

عشرون سنة مضت وتلك القنوات، على الرغم من أنها الآن لم تعد تملك ذلك الصوت المسموع الذي امتلكته لحظة قدومها الى الحياة، لكنها تبقى شاهدا على ما طال ثقافتنا وطرائق تفكيرنا من تغير جذري قد نكون تقبلناه على مضض أو صدمنا به.

الخطاب السياسي الذي هو جزء من العقلية الاجتماعية تغير هو الآخر تغيرا جذريا. لم نعد نسمع تلك النغمة التي تعودنا سماعها قبل عشرين عاما. وربما يوعز ذلك التغير الى الظروف السياسية العامة التي تغيرت في مجملها وأدت الى تغير الاولويات السياسية.

فأعداء الامس لم يعودوا عدونا الاول، فقد قفزت الى السطح متغيرات سياسية جديدة قلبت الاوضاع رأسا على عقب وجعلت من عدو الأمس حليفا نعتز به، وجعلت من قضايانا المصيرية قضايا مبهمة للكثيرين بما فيهم الاجيال الجديدة التي لم تعد تدرك عمق هذه القضايا أو مدى ارتباطها بمصيرنا المشترك، فأصبحت معظم خلافاتنا عربية –عربية الأمر الذي أدى الى تراجع الاولويات الكبرى وصعود القضايا الصغيرة لتحتل المساحة الاكبر.

الخطاب الديني تغير أيضا خلال العقدين الماضيين، ربما ليواكب المتغيرات الاخرى التي طالت العقلية العامة عموما. وقد تكون المتغيرات التي طالت الخطاب الديني هي الانعطاف الاكبر الذى أدى الى تشكيل الشخصية الخليجية الجديدة بالنسبة للبعض.

لم يعد الدين يمثل فقط العبادات ولوائح الحياة بل خلطه البعض في السياسة ليخرج لنا نمط جديد من الاسلام السياسي أدى الى خلط الاوراق وتشكيل تيارات جديدة أثرت في حياتنا وفي مسيرة دولنا.

هذه المتغيرات التي طالت الشخصية الخليجية وبالتالي العقلية الخليجية خلال العقدين الماضيين أصبحت تشكل هاجسا كبيرا ليس فقط لسكان الخليج ولكن للمنطقة المحيطة به. فما تغير في الشخصية الخليجية ليس بالهين بل تغيرات راديكالية أدت الى تبعات سياسية واجتماعية وفكرية هزت مجتمعات الخليج من جذورها.

فلم تعد مجتمعات الخليج توصم بالمحافظة بل هزتها تلك المتغيرات دافعة إياها الى الحداثة في كل شيء: فهي حديثة في بنيتها المادية والحضرية وحديثة في طرائق تفكيرها وحديثة أيضا في نوعية التيارات التي أصبحت تجوب في أرجائها.

إذاً كيف نحيد تلك المتغيرات كي لا تؤدي إلى تبعات سلبية؟ تكمن الحلول في الوعي بضخامة القضايا التي باتت تواجهنا والتصدي لها بواقعية وليس بحلول سطحية.

 يجب أن نصل الى اقتناع بأن الخليج المصدر للنفط الذي يحتاجه العالم أصبح الآن مصدرا لتيارات فكرية لا يحتاجها العالم. إدراك دورنا الحقيقي والاقتناع به هو في الواقع أحد أهم وأنجع الحلول المقترحة في عملية التصدي الحضاري.