أخيراً جاء الحدث الأهم الذي انتظره العراقيون، وهو تشكيل الوزارة الجديدة، وزارة الدكتور العبادي النور، وسط أجواء متباينة بين مرحب وآخر محبط وثالث يفضل الانتظار بعض الوقت ليقول كلمته. ومن الضروري أن نشير إلى أن الفترة التي استغرقها تشكيل الوزارة، كانت أقصر مما توقعه الكثيرون في ضوء التناقضات الكبيرة بين الفرقاء، إلا أن ما حض هؤلاء على أن يكونوا إيجابيين، هو الشعور بخطر تنظيم داعش الذي يهدد الجميع.
البرنامج الحكومي الذي عرضه العبادي ونال موافقة المجلس النيابي، يعتبر إيجابياً من نواحٍ عدة، فقد شخص أبرز المعيقات لنهوض العراق، ووضع مواجهة الأخطار التي تحيق بالعراق في الأولويات.
فقد تضمن تأكيدات على القيام بإصلاحات كبيرة في المنظومات الأمنية، ونص صراحة على عدم السماح لأن يكون السلاح خارج أطر المؤسسات الأمنية التابعة للدولة، في إشارة غير مباشرة إلى أنه لا مكان لميليشيات تروع الناس. وتضمن البيان إشارة إلى ضرورة القيام بإصلاحات سياسية ودستورية وقضائية واقتصادية، مركزاً بشكل رئيسي على القطاع النفطي.
وُضع هذا البرنامج في ضوء ما نصت عليه الوثيقة، التي سميت «وثيقة الاتفاق السياسي بين الكتل السياسية المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية 2014»، والتي تضمنت عشرين مادة، ونصت على «تشكيل حكومة وطنية جامعة تعمل بروح الفريق الواحد على أساس مبدأي الشراكة الحقيقية في اتخاذ القرارات، والمسؤولية التضامنية بين أطرافها».
حين بدأت الانتخابات النيابية الأخيرة، كان الشعار الأكثر رواجاً هو «التغيير»، فالعراق وصل إلى حافة التفكك، وأصبح في أمس الحاجة لحكومة إنقاذ لديها برنامج واضح قابل للتطبيق، وفق جدول زمني يقوم بتنفيذه وزراء يتسمون بالكفاءة المهنية والنزاهة والولاء للعراق، فحكومة كهذه وحدها قادرة على إنقاذ العراق.
وكانت هناك عقبات كثيرة أمام الدكتور العبادي، أبرزها فقدان الثقة بين الفرقاء، فقد طالب كل من تحالف القوى العراقية وكتلة الوطنية والتحالف الكردستاني، بتوقيع جهات يحتكم إليها لضمان تنفيذ الاتفاق، مثل الجامعة العربية والأمم المتحدة، وورد ذكر المرجعيات الدينية أيضاً.
والسبب في ذلك هو السابقة التي قام بها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، حين تنكر لاتفاقية أربيل التي شكل بموجبها وزارته الثانية، ولم ينفذ ما تعهد به آنذاك لكل من القائمة العراقية والتحالف الكردستاني.
ولعل الحضور القوي للأمم المتحدة والولايات المتحدة خلال جهود تشكيل الوزارة، يمكن اعتباره بمثابة ضمان للتنفيذ أو شهادة على وقوعه. وكانت الوزارات الأمنية، الدفاع والداخلية، هي العقدة الأكثر صعوبة بين التحالف الوطني واتحاد القوى العراقية، ولذلك جاءت التشكيلة الوزارية خالية من هاتين الوزارتين لتعثر المفاوضات حول من يشغلهما، مع التزام من قبل رئيس الوزراء بتقديم المرشحين خلال أسبوع واحد.
كانت الولايات المتحدة الجهة الأكثر نشاطاً والأوسع حضوراً في عملية تشكيل الوزارة، على خلاف ما كان عليه الحال عام 2010 الذي شهد توافقاً أميركياً إيرانياً. فقد شهدنا تنافساً أميركياً إيرانياً مع رجاحة الكفة الأميركية التي دخلت بقوة للتأثير على مسار المفاوضات، وذلك لربطها بين طبيعة الحكومة الجديدة وخطة حلف الناتو لمواجهة تنظيم داعش، فالبدء بتنفيذ الطور الثاني من خطة الحلف لمواجهة التنظيم، متعلق بتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية.
وهذا ما انعكس بوضوح في التشكيلة الجديدة التي اعتمدها مجلس النواب، سواء على مستوى مجلس الوزراء أو مجلس رئاسة الجمهورية، إذ رغم أن معظم الوجوه كانت في الوزارة السابقة أو في التي سبقتها، فإن المجلسين ضما معظم سياسيي الخط الأول، وهو اصطفاف حربي فرضته الظروف التي يمر بها العراق. الحكومة الجديدة ليست بمستوى طموحات التغيير المنشود..
وقد سبق أن حذرنا من التوقعات الكبيرة لقدرات الدكتور العبادي على التحرك، لأنه مغلول اليد إلى حد كبير، فهو أسير حزبه وأسير التحالف الذي ينتمي إليه، وأسير التجاذبات الدولية والإقليمية، وأسير قواعد اللعبة السياسية التي عليه أن يتناغم معها وليس رفضها، رغم أن هناك ما يستطيعه في إطارها نفسه، لأنه يتمتع بدعم إقليمي ودولي كبير لم يحظ بمثله من سبقوه.
حرص الدكتور العبادي على إشاعة أجواء الترشيق خلال فترة تشكيل الوزارة، حيث نجح في تقليص عدد وزرائه إلى ستة وعشرين وزيراً فقط، وهي ظاهرة إيجابية تحد من هدر الموارد، إلا أننا من جانب آخر شهدنا خذلانه، فهذه الأجواء لم تلق هوى لدى من يصر على الحصول على منصب سيادي.
ولنا أن نتساءل في هذا السياق؛ كيف أن أكبر دولة في العالم وهي الولايات المتحدة، ليس لدى رئيسها سوى نائب واحد وليس لديه رئيس وزراء، في حين أن التشكيلة التي شهدنا اعتمادها من قبل مجلس النواب تتضمن ثلاثة نواب لرئيس الوزراء وثلاثة نواب لرئيس الجمهورية، علماً أن مهام رئيس الجمهورية وفق الدستور أقرب إلى المهام البروتوكولية.
وأن العراق أصغر من ولاية تكساس الأميركية. من جانب آخر، فإن التنافر الشخصي الشديد بين المالكي والنجيفي وعلاوي، وهم الثلاثة الذين اعتمدوا نواباً لرئيس الجمهورية، يجعل من مجلس الرئاسة طاقماً غير منسجم لأداء عمل إيجابي.