دائماً تقترن كلمات التهنئة والتبريكات بالمناسبات التي نحبها وننتظرها ونفرح لحدوثها، فنقول «الزواج الميمون» أو «الترقية المباركة» أو «المولود السعيد» أو «الحج المبرور» أو «العيد المبارك» أو «النجاح الباهر» أو «الإجازة السعيدة» أو «الافتتاح الكبير» أو «النصر المؤزر» أو «الفوز المستحق» أو «الشهر المعظم»، حتى عند التسوق نقول «متعة التسوق»، كما أننا نحب أن نضيف للأشياء من ذاتنا، فنحن نرى الأشياء دائماً بما لدينا من خلفية فكرية واجتماعية، ونفسرها بناءً على ذلك.
لذلك استرعت انتباهي في كثير من الأماكن والأسواق التي يرتادها الناس خلال الأيام السابقة، جملة «العودة إلى المدرسة»، ووجه الغرابة أنها تأتي دائماً مجردة تقريرية، بعيدة عن كل العواطف وغير مقترنة بأية كلمة تعبر عن الحالة النفسية التي تصاحبها وندر من قام بوصفها، حتى أن الجملة ذاتها غير كاملة، لا تكشف عن حالة الناس عند العودة المدرسية وطبيعتها، وهل هي عودة حميدة أم عودة المضطر، أو عودة الفرح أم مزيج بين هذا كله.
غير أني طالعت إعلاناً وحيداً في جريدة «البيان» عن متجر استخدم على استحياء لفظة «فرحة العودة إلى المدرسة»، ولم يستخدمه غيره ربما خوفاً من فقدان المصداقية! لأن ما نراه بالفعل من حال أبنائنا عند عودتهم إلى المدرسة، لا يحمل في كثير من جوانبه «فرحة».
والمسألة هنا لا تتعلق بالأعباء الدراسية، بقدر ما هي حالة نفسية تصيب أطفالنا وتنتقل بالعدوى إلى أولياء الأمور والأهل، من خلال ما يواجهه أبناؤهم.
والسؤال هو: لماذا توارى الذين وصفوا العودة إلى المدرسة بأنها فرحة؟ وكيف تصبح العودة إلى المدرسة فرحة؟ وما السبيل إلى ذلك؟ وهل من المهم أن تقترن العودة إلى المدرسة بالفرحة، أم أن الأمر لا يحتمل؟!
الحق أن الإجابة عن هذه التساؤلات من الأهمية بمكان، بل إن السبيل لجعل العودة إلى المدرسة فرحة، هو الطريق إلى منظومة تعليمية منتجة، كما أنه دور وظيفي لعملية التعليم في المجتمع، فلا يمكن أن يبدع إنسان في شيء لا يسعد به، ولن يتميز في عمل يستشعر ثقله، ولا شك أن فرحة العودة إلى المدرسة لن تكون دون تعاضد ثلاث حلقات أساسية، بدءاً من الأسرة مروراً بالثقافة المجتمعية وانتهاءً بالمدرسة.
وإذا كان الحديث عن الأسرة، فكيف تكون العودة للمدرسة فرحة والأسرة نفسها لم تهيئ أبناءها نفسياً لتلك العودة؟ بل تزيد من الشقة حين تهدد الأبناء أثناء الإجازة، بأنه عند بدء الدراسة ستتوقف الحياة إلا عن المذاكرة وتحصيل العلم.
وأن أية استثناءات من ترفيه أو ترويح سوف تؤجل، كما أن حالهم مع أبنائهم ومجازاتهم بالثواب والعقاب، يتوقف على ما يحصله من علامات صفية، وأن الخروج إلى التنزه أو الاحتفال بالمناسبات السعيدة في البيت أو خارجة.
تتعطل عند أول تعثر يحدث أثناء الدراسة، فيتكون لدى الأبناء شبح مخيف يسمى المدرسة، فكيف يمكن أن تكون والحالة هكذا العودة إليها فرحة! كما أن الأسرة ذاتها تعاني في بداية كل عام دراسي من زيادة الرسوم المدرسية، فضلاً عن احتياجات الأبناء التي لا حد لها، كيف بها والحال هكذا أن تدعي الفرحة؟ كيف بمن يعاني أن يصدر غير المشاعر السلبية لمن حوله من الأبناء؟
ثم تجيء معاناة المعلمين من زيادة عدد ساعات التدريس، وما ينتج عنها من إرهاق يجعل من الصعوبة بمكان التواصل الواجب بين المعلم والطالب، ويؤثر في الوقت ذاته على مستوى عطائه داخل القاعة الدراسية، فضلاً عن الأنشطة اللا صفية الواجب القيام بها، فكيف له ذلك وهو ينتقل بشكل آلي من قاعة إلى أخرى حتى تخور قواه البدنية قبل لياقته الذهنية؟!
إن المنظومة التعليمية لا يمكن أن تؤتي ثمارها دون أن يستشعر الطالب فرحة العودة إلى المدرسة، وهذه الفرحة تكون الدافع الذي يجعله يصل إلى حب ما يقوم به في هذا المكان، الذي يقضي فيه من عمره ووقته أكثر مما يقضي في بيته، فلا أقل من أن يشعر أن هذا هو مكان إقامته الثاني، وكما يهيئ الآباء لأبنائهم البيت، ليس فقط من ناحية البنية التحتية، ولكن من حيث الرعاية النفسية.
كذلك يجب أن يستشعر التلميذ أنه يحيا حياة تسعده خلال فترة دراسته، من خلال تحصيله المعلومة إلى جانب اكتشاف مواهبه وصقلها، خاصة وأن الآثار التي تتركها المراحل الدراسية الأولى تدوم طويلاً.
كما أن العودة إلى المدرسة لن تقترن معها فرحة في غياب إدارة مدرسية تكون حاضنة مؤقتة عن الأهل، إضافة إلى أنه من الصعوبة بمكان أن يتقبل التلميذ معلومة من معلم لا يحمل له في قلبه قدراً من الود والمحبة، كما أن المعلم الذي يسفه دائماً طرح طلابه، يقتل لديهم الدافعية والابتكار مبكراً، ويصنع حاجزاً نفسياً بينه وبينهم، مهما كانت كفاءته العلمية.
ومن الأهمية بمكان أن يكون للأسرة دور في تعزيز علاقة التلميذ بالمدرسة، وألا ترسخ لديه فكرة أن الدراسة حائل بينه وبين ما يحب، بل هي المعزز له والمجال الأرحب والأوسع لممارسة كل هوياته وتنميتها، فضلاً عن معلم يدرك قيمة الرسالة التي يؤديها والجيل الذي يربيه.
وإدارة تجعل من التعلم متعة عبر انتقاء أفضل السبل لتوصيل المعلومة، بعيداً عن التلقين أو الحشو الذي لا ينمي فكراً ولا يصنع مبدعاً، وثقافة مجتمعية تجعل من التميز أسلوب حياة، وهو ما تحرص دائماً قيادتنا الرشيدة على غرسه في النفوس ورعايته.
إن مشاعر الأبناء لا تعرف التجمل أو التزين، وهو ما يجعلها دائماً صادقة، لذلك فعندما يشعر الطفل أن المدرسة مؤسسة يجد فيها نفسه ويحظى بحب ورعاية الآخرين له، عندئذ سيستقبلها قائلاً «حبيب جاء على فاقة»، وعندئذ سنكتب في الأسواق والمتاجر «فرحة العودة إلى المدرسة».