من قديم ما أحفظ مقولةُ معاوية رضي الله عنه: «لا تكرهوا الفِتْنَة فإنّها تُظْهِر رؤوس الفِتَن»، وهو أمرٌ تلاحظ للكل في هذه الأيام، فوراء كل شرٍ خير وخلف كل عُسرٍ يُسر، وكلما مرّت الأيام انزوى كل قرينٍ لقرينه وجَرَت كل فئةٍ لرايتها.

وبالطبع فكل فئة تدّعي أنها على الحق ومن سواها على خلافه، وكلما اشتدت اللهجة وادّعاء الخيرية المحضة كلما كان ذلك مؤشراً على نزقٍ فكري وتوجه فئوي لا يستطيع أن يستوعب الجميع ما لم يكونوا على مشربه ويدينون بما يراه هو فقط.

هذا التوجه الفئوي وطرحه لا يمكن أن يشتد عوده ما دام هناك نظام مغاير تماماً لما ينادي به يحقق نجاحات على جميع الصعد وينقض أساس ما ينادي به، وتلك كانت خطيئة الإمارات في عُرف «الفئويين» ومن سار في ركابهم، وعندما لا تستطيع التشكيك بالمعطيات الملموسة ابدأ بالطعن في غير المنظور وخير مطية لذلك هي الدين، فلن تختصر سنين من الطعن والانتقاد والحط من قيمة المخالف ما لم تجعل ذلك المخالف عدواً للدين ومحارباً له.

ولأنهم كانوا في حاجة قصوى لتسويق منهجهم الذي يُسقطه من أول جولة نتاجٌ حضاريٌ كبير في المشهد المجاور بدأ الانتقاد يأخذ شكلاً مألوفاً وأنت تسمع أو تقرأ تشكيكاً ممجوجاً مثل: «وهل البنايات حضارة، هل المجمعات التجارية مدنية، هل كثرة السياح دليل تقدم؟»، ألا لا يحزنوا ولا يكدروا خواطرهم.

فالحضارة هي البيوت المهدمة التي يئن فيها الجوع ويتوسد الموت أرصفة الطرقات عليها، والمدنية هي ألا تستطيع أن تفكر بالعيش أكثر عن يومك فقط فأحلام المستقبل وأدتها ذئاب البشر، أمّا التقدم فلن يكون سوى مؤشرات الجريمة العالية وافتقاد الأمن والبطالة المرتفعة والتضخم الذي يكتم ما بقي من أنفاس.

يقول المثل «قال: كيف عرفت أنها كذبة؟ قال: من كُبْرَهَا» وهؤلاء أتحفونا بسلسلة لن تنتهي من الأكاذيب لشيطنة دولتنا وجعلها محاربة للدين، فمن تمويل الإمارات للحملات العسكرية الفرنسية في مالي إلى لقاء الشيخ عبدالله بن زايد بليبرمان إلى قيام المقاتلات الإماراتية بقصف أهداف في ليبيا وإرسال جواسيس بملابس موظفين للهلال الأحمر لمساعدة الصهاينة، وفوق ذلك التآمر على دول عربية وذلك طبعاً من باب «رمتني بدائها وانسلّت».

فالهجوم منظم والكُتّاب الذين «يسيحون» مع أول تحويل بنكي كُثُر، والمبادئ والمهنية «ما توكِّل عيش»، و«تويتر» أوجد مجالاً رحباً لاختلاق شيطان يتآمر على الإسلام ويتم وصمه يومياً بصفاتٍ لم نسمع أولئك الكُتّاب وأشباههم يوجهون ربعها للصهاينة.

 وانظر التعليقات لترى حجم الاستهداف من خطٍ معين والذي يتبعه بالطبع أعداد كبيرة لا تعي من الأمر شيئاً، كما هو معروف بـ«نظرية القطيع»، لكنها رأت ألوية الإسلام قد نُصبت زوراً وترددت الخُطَب التي تتصنّع التقوى والخشية على الإسلام من أن يُختَطَف، فتنادى النشامى والمغاوير وأفدحوا في الحط والقذف ولكن على من؟ علينا، نعم علينا نحن، من يُفتَرَض أن نكون إخوانهم، ومن يُفترض أن يصدقوا ما يرونه بأعينهم لا ما يسمعونه من تلفيقات الـمُشيطنين والشياطين وممن قال بهم الشاعر:

وكُنتُ امرءاً من جُندِ إبليسَ فارتقى

بي الحالُ حتى صارَ إبليسُ من جُندي

وإن سألتَ أحدهم: من أين أتيت بهذه المعلومة التي تشتم بلادي بسببها؟ لقال لك: «والله قريتها في تغريدة واحد من الشباب»، «تغريدة واحد من الشباب» أصبحت مصدراً موثوقاً لدى هؤلاء، والأخبار التي تفبركها بعض الأقلام المستأجرة أضحت حقائق راسخة عندهم.

وبقدرة قادر أصبح التلفزيون الإسرائيلي ثقة وعَدلاً في ميزان الجرح والتعديل ومقبول الرواية ما دامت تحمل حطّاً دنيئاً على الإمارات، لكنها تصبح «جبانة» أو «تم الدفع لها» عندما يخرج بيان رسمي من القناة ذاتها تنفي أن يكون نشر من خلالها ما تداولته تغريدات أو بالأصح نعيق غربان العرب عن لقاء الشيخ عبدالله المفبرك، وبقدرة قادر أيضاً يُصدِّق هؤلاء خبر النيويورك تايمز والذي نقل خبر المقاتلات عن مجهولي هوية من العسكريين .

لكنها لم تُصدِّق ولم تعتذر عندما نفت الخارجية الأميركية تلك الأكذوبة رسمياً، ولم تعتذر وقادة حماس أنفسهم يُثنون على أيادي الإمارات البيضاء في غزة ونفي أكذوبة التجسس، كل ذلك لنعلم إلى أي مدى وصلت الدناءة بالبعض وأي مسارٍ يُطبلون له ويدعون أتباعهم له.

الآن يحاولون نقل نطاق الشيطنة لمستوى أوسع، فبعد أن كان التركيز على الإمارات، انتقل «بيّاعو الحكي» لِوَسْمِ كل من يدافع عن الإمارات أو يسألهم عن دليلهم لذلك الافتئات بأنه نصيرٌ للشيطان وحليف لأعداء الدين أو بأفضل الأحوال مُغفّل يقصر عقله عن الإلمام بهول المؤامرة من حوله، وأنّى لبلدٍ يتردّد في جنباته صوت الأذان وترتفع بسمائه آلاف المآذن ويأمن به الناس على أنفسهم وأرزاقهم وتخرج منه حملات الخير تترى لمساعدة المحتاجين في كل بقاع الدنيا أن يكون قريباً مما يصفه به المختبئون وراء الشاشات أو خارج الحدود أو خلف بعض «البشوت».

يتناسى هؤلاء أو يتعمدون تناسي أن المخرجات الحضارية لا تأتِ من فراغ، فالثمرة الطيبة لم تخرج من تلقاء نفسها ولن يتوقف إثمارها لنعيقهم مهما حاولوا، وليتهم استفادوا من أوقاتهم بشيءٍ نافع ووجّهوا جُهدهم للعمل وبناء بلادهم والمساعدة ولو بإماطة أذى عن طريق بدل أن يُشمّروا عن سواعدهم لانتقاص أرضٍ لم ينبت بها إلا الخير ولم تُصدِّر إلا الخير ولم تَلْفِظْ إلا من كان خلاف ذلك: «فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض»، ولكن كيف تسمع شعوب ثرثارة صوت خُطى الوقت الهارب كما قال مالك بن نبي.