عودة سؤال سقف الدين الأميركي

إذا عدنا بالذاكرة قبل أسبوع من تنصيبه لولاية ثانية، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أكد أنه لن يتفاوض مع الجمهوريين بشأن رفع سقف الدين الاتحادي.

ثم عاد بعد ذلك وقال إنه لن يقايض خفض الإنفاق الحكومي مقابل رفع حد الاقتراض، وأضاف: «إذا كان الهدف هو التأكد من أننا نتحمل مسؤولية ديننا وعجزنا، وإذا كان ذلك هو الحديث الذي نخوضه، فإنه يسرني أن أخوض ذلك الحديث.. ما أرفض فعله هو إجراء تلك المفاوضات في ظل بندقية مصوبة إلى رأس الشعب الأميركي».

وذلك أمر جيد، ولكن ما هي، على وجه الدقة، الاستراتيجية التي اعتمدها الرئيس أوباما بعد ذلك، حين يتحتم رفع سقف الدين أمام رفض الجمهوريين الرضوخ؟

لقد استبعد أوباما تجاوز الحزب الجمهوري، وقال البيت الأبيض إن الرئيس لن يعتمد على التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، الذي يمنحه صلاحية رفع سقف الديون بنفسه. ورفضت وزارة الخزانة الأميركية فكرة إصدار عملة بلاتينية بقيمة تريليون دولار، يمكن إيداعها لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي، لتسفر فوراً عن مزيد من المال لدفع فواتير أميركا.

وإذا اقتضت الضرورة، فإن وزارة الخزانة تستطيع إصدار سندات دين لدائني أميركا، وهي ضمانات بأن ديونهم سوف تسدد في نهاية المطاف، ولكن ليس هناك مؤشر إلى أن تلك هي خطة أوباما أيضاً.

وبالتالي فإنه لا بد من أن أوباما أن يعول على الضغط العام، لا سيما من جانب الشركات الكبرى ورعاة الحزب الجمهوري في وول ستريت، لإرغام الجمهوريين على الخضوع. ومن المرجح أن ذلك هو السبب وراء استراتيجية أوباما التي اتبعها بعد ذلك في مواجهة مسألة الديون المتراكمة.

وربما كان التوقيت في العام الماضي مناسباً لمثل هذه الاستراتيجية. عندما كان الرئيس يركب موجة من شعبية ما بعد الانتخابات. وعندما كانت استطلاعات للرأي أجرتها مؤسسة «غالوب» تقول إن نسبة تأييده تبلغ 56%، أما الآن، وبعد أن تراجعت نسبة تأييد أوباما في استطلاعات الرأي إلى ما دون الأربعين في المئة، فهل مازالت استراتيجيته السابقة صالحة للتطبيق؟.

معدلات الرضا عن الجمهوريين كانت في العام الماضي تشهد تدنياً كبيراً، حيث أشار آنذاك استطلاع أجرته مؤسسة «بابليك بوليسي بولينغ» إلى أن معدل الرضا عن أداء جون بوينر هو 21%، فيما يبلغ معدل عدم الرضا عن أدائه 60%. وكان ميتش ماكونيل، وهو زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، يحظى بنسبة تأييد لا تزيد على 24%.

وحتى ناخبي الحزب الجمهوري أبدوا عدم رضائهم، فيما يبدو، عن المشرعين الجمهوريين في واشنطن، مع وصول نسبة المؤيدين منهم إلى 25% ونسبة غير المؤيدين إلى 61%، وفقا لمؤسسة «بابليك بوليسي بولينغ»، أما الآن ومع تراجع شعبية الرئيس أوباما فإن الأوضاع قد تغيرت نسبياً.

ويتذكر الأميركيون صيف عام 2011، عندما احتجز الحزب الجمهوري سقف الديون كرهينة، واضعاً أميركا على حافة التخلف عن السداد، ومؤدياً إلى خفض تصنيفها الائتماني وإلى اضطرابات مالية أبطأت الانتعاش.

وقد أضرت تلك المساومة بالحزب الجمهوري أكثر مما أضرت بالديمقراطيين أو بالرئيس الأميركي. إلا أن استراتيجية أوباما كانت تعتمد على أن الأصوات العاقلة المتبقية في الحزب الجمهوري تكفي للتأثير على الآخرين.

وذلك أبعد ما يكون عن الوضوح. ونتذكر هنا ما دعا إليه ماكونيل الرئيس وحلفاءه إلى «أن يأخذوا مسألة الإنفاق على محمل الجد»، مضيفاً ان «النقاش حول سقف الدين هو الوقت المثالي لذلك».

وكان بوينر قد أصدر كتاباً قال فيه: «إن الشعب الأميركي لا يؤيد رفع سقف الدين دون خفض الإنفاق الحكومي في الوقت نفسه». لقد هزت انتخابات عام 2012 الحزب الجمهوري، كما فعلت استطلاعات ما بعد الهاوية المالية.

 ومع ذلك، كما أشرت سابقاً، فقد لا يهتم الحزب الجمهوري بما يعتقده غالبية الأميركيين. ويعتمد بقاء معظم أعضاء الكونغرس الجمهوريين على انتصارهم في الانتخابات التمهيدية، وليس في الانتخابات العامة – ومنافسوهم المحتملون في الانتخابات التمهيدية هم أكثر ميلاً إلى اليمين منهم.

الأوضاع الآن تغيرت كثيراً، والخصوم تبادلوا المقاعد، والجمهوريون تقدموا في الشعبية على أوباما وعلى الديمقراطيين، ليظهر من جديد على الساحة سؤال رفع سقف الدين، والذي ربما يكون لتطوره أثر كبير على مستقبل الولايات المتحدة الأميركية اقتصادياً واستراتيجياً أيضاً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات