«أوباما يوفد وزير خارجيته إلى الشرق الأوسط للتنسيق في محاربة داعش»، «أوباما يطلب من وزير دفاعه تهيئة الخيارات لمواجهة داعش»، «أوباما يقول إنه ما من استراتيجية عسكرية لديه لمواجهة داعش»، الناتو يعلن استعداده للتدخل عسكرياً في العراق، بريطانيا ترفع مستوى التأهب الأمني إلى الدرجة القصوى تحسباً لعمليات إرهابية. هذه عناوين بارزة ترد في نشرات الأنباء.
وهي تحكي قصة فوبيا جديدة اسمها «داعش»، التنظيم الجهادي الذي صعد فجأة وفرض نفسه لاعباً كبيراً في منطقة الشرق الأوسط، مهدداً معظم نظمها خصوصاً في سوريا والعراق، حيث من المشكوك فيه أن تتمكن القوات المسلحة في هذين البلدين، في الظروف السياسية التي تسود فيهما، من التصدي لهذا التنظيم.
وهو ما صرح به الرئيس العراقي الدكتور معصوم.الإرهاب في الشرق الأوسط ظاهرة تعايش معها الغرب منذ أمد ليس بالقصير، ولم تكن تقلق دول المنطقة قدر ما كانت تسبب لها بعض الصداع، لأن هذه الدول لم تكن مستهدفة بالدرجة الأولى، فقد كان تنظيم القاعدة هو من تسيد الإرهاب، وكانت أهدافه في أميركا وأوروبا بالدرجة الرئيسية.
إلا أن صورة المشهد بدأت بالتغير منذ الغزو الأميركي للعراق، حيث بدأت عمليات الخطف والأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والكواتم، تحصد أرواح العراقيين. وتفاقم حجم الإرهاب بعد اندلاع الثورة في سوريا.
حيث أصبح المناخ السياسي مهيئاً لولادة تنظيمات إرهابية قوية، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لاستنفار الغرب طالما أن العمليات التي تنفذها هذه التنظيمات بعيدة عن القارة الأوروبية والأميركية من جهة، وطالما كانت عمليات كهذه لا تهدد أمن الأنظمة الحليفة للغرب من جهة أخرى.
ولكن منذ دخول داعش على الخط ونجاحها في تحقيق انتصارات واختراقات خطيرة في سوريا والعراق، تغيرت المعادلات وتحول الإرهاب في الشرق الأوسط إلى قضية أمنية عالمية تقلق الدول الأوروبية بشكل كبير، بعد أن استطاعت داعش إغراء مواطنين من دول أوروبية للانخراط في صفوفها.
فقد بلغ عدد البريطانيين الذين يقاتلون مع داعش في العراق وسوريا، ما يربو على الخمسمئة حسب ما أفاد به رئيس الوزراء البريطاني، في حين تقدر المخابرات الألمانية أن أربعمئة ألماني على الأقل قد انضموا للتنظيم في هذين البلدين. لقد دق ناقوس الخطر في الغرب للدفاع عن أمنه، فهناك تجييش غير مسبوق للقدرات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية والاستخبارية والأمنية، لمواجهة تنظيم «داعش».
الرئيس الأميركي يدعو لتشكيل تحالف دولي فاعل تسهم فيه دول المنطقة بقيادة واشنطن، إلا أنه يعلن في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة ليست لديها استراتيجية للتعامل مع هذا التنظيم، وهو ما أثار زوبعة انتقادات كبيرة في أوساط الجمهوريين المتربصين له.
والحقيقة أننا لا نأتي بجديد حين نقول إن الولايات المتحدة تفتقر إلى استراتيجية متماسكة في سياستها الخارجية، منذ نهاية الحرب الباردة. الرئيس أوباما، رغم الحذر الشديد الذي يتوخاه في قراراته، يرى أنه لا مفر من الذهاب إلى ما هو أبعد من الضربات الجوية التي بدأ الطيران الأميركي يوجهها لبعض مواقع داعش، فهو يعتقد.
ولم يخفِ ذلك، أن المواجهة مع داعش ستكون طويلة الأمد، ولا تقتصر على توجيه ضربات عسكرية جوية أو دفع قوات برية فحسب، بل تتطلب اتخاذ مواقف سياسية وتشكيل تحالفات دولية – إقليمية، واتخاذ إجراءات وقائية داخلية لمواجهة ذلك.
إن قلق الغرب لا يتوقف عند ما تشكله الحركات الجهادية، وتنظيم داعش بالذات، في منطقة الشرق الأوسط من مخاطر، بل يتجاوز ذلك إلى جنوب شرق آسيا، حيث تنشط حركات جهادية أخرى.
فهناك في إندونيسيا، وهي أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد السكان، حركات جهادية قد تعيد نشاطها في أي وقت، مستلهمة انتصارات داعش التنظيم الأكثر رواجاً والأكثر جاذبية من غيره، بسبب الصرامة والوحشية الشديدة التي تتميز بها ممارساته. لقد فرضت داعش في نزالاتها قواعد اشتباك غير متعارف عليها، فليست هناك اتفاقيات دولية تعترف بها أو تلتزم ببنودها، فالمنتسبون لهذا التنظيم مدفوعون بحماس وإيمان، وربما بالرغبة في الحصول على المغانم في المناطق التي يقومون بغزوها وفرض نظمهم الظلامية عليها، وهو ما يساعدها على جذب مقاتلين جدد إلى صفوفها.
التحالف الدولي الذي يجري تشكيله لن يضم النظام السوري، لأن هناك إجماعاً غربياً على رفض اعتبار هذا النظام شريكاً في محاربة الإرهاب. هذا التحالف يواجه استحقاقات كثيرة، لعل في مقدمتها التمويل، وهو أمر على درجة كبيرة من الأهمية، لأن نفقات هذه الحرب ستكون باهظة، وستتحملها بالدرجة الرئيسية دول المنطقة التي ستنضم لهذا التحالف، وقد لا يكون بعضها قادراً على دفع كلفته. فالغرب سيقدم لهذا التحالف قدراته التنظيمية والمخابراتية واستطلاعاته وضرباته الجوية.
وقد يشترك بعض قواته الخاصة في عمليات قتالية محدودة. والحقيقة أن الحرب طويلة الأمد تتطلب وجود قاعدة عسكرية أو أكثر على الأرض، وهذا ما يتوقع أن يحصل، ولعل إقليم كردستان سيكون المكان المفضل لذلك، وهو ما لا يعترض عليه الإقليم، بل يراه ضماناً لأمنه.
فحصول الناتو على موقع قدم في الإقليم قد يكون من ضمن استراتيجية بعيدة المدى، يرسمها لتتناسب مع متطلبات مرحلة جديدة من الصراع الغربي الروسي الذي ازداد حدة مع تفاقم الأزمة الأوكرانية، وتشكيل الناتو قوة تدخل سريع بقيادة بريطانية لمواجهة ذلك.