الخدمة الوطنية والاحتياطية كتطبيق للتفكير الإيجابي

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يمكن أن يكون هنالك تفكير إيجابي نحو الوطن أكثر من التضحية بالغالي والنفيس من أجله، وهل هناك أغلى من الروح! لعل هذا هو ما يجعل كل شعوب العالم، ومنها شعب دولتنا الحبيبة، تنظر بكبير الإجلال وعظيم التقدير إلى العمل العسكري وشرف الانتساب للجيش الوطني والقوات المسلحة.

لذا عندما تسن كل دولة في العالم نظامها الخاص الذي يتيح تجنيد بقية المواطنين، من غير العسكريين النظاميين، لكي يكونوا في صف الجندية الاحتياطية من خلال نيل شرف الخدمة العسكرية المؤقتة، فإن ذلك يعتبر نوعاً من توسيع قاعدة المشاركة الإيجابية في خدمة الوطن والدفاع عنه، وليس ذلك فحسب، حيث إن ثمار هذا التوسع تكون في العادة دفعة إلى الأمام في مستويات الإنتاجية العامة والعمل الحكومي والخاص، عندما يعود هؤلاء الذين أدوا الخدمة العسكرية مسلحين بالميزات التفاضلية المكتسبة، ويصبحون جزءاً من الحياة الإنتاجية المدنية.

أما نحن في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد جاء قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية في مطلع 2014 ليمثل نقلة نوعية، ليس في منظومة الالتحاق بالقوات المسلحة فحسب، ولكن في مجمل تفاعل المواطن مع قواته الوطنية، خاصة وأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بالمشاعر، وإنما تعداها إلى المشاركة من خلال فلذات الأكباد الذين يشملهم القانون.

ومن المهم دائماً أن نتذكر أن فكرة الخدمة الوطنية والاحتياطية، جاءت في واقع الأمر إنفاذاً لروح ونص المادة 43 من دستور الدولة، التي تنص على أن الدفاع عن الاتحاد فرض مقدس على كل مواطن، وأن أداء الخدمة العسكرية شرف للمواطنين ينظمه القانون.

دعونا نتذكر أن الدستور هو الوثيقة المؤسسة لكيان الدولة والمنظمة لمجمل العلاقات البينية فيها، وفي مقدمتها العلاقة السامية الراسخة بين المواطن والوطن. لذلك فإن أسمى تعبير عن هذه العلاقة هو الجاهزية الدائمة للدفاع عن الوطن في وجه الأخطار والتحديات أيا كانت.

فالمسألة ليست ما هي الأخطار، وإنما كيف نحمي الوطن ونصون اتحاده واستقلاله وأرضه وأهله، بغض النظر عن طبيعة وحجم واستمرارية هذه الأخطار.

وإذا قيّمنا هذه العلاقة من منظور التفكير الإيجابي تجاه الوطن، فسيكون من السهل ملاحظة أن المواطن في الإمارات حظي ولله الحمد بالعديد من الامتيازات التي لا تتوفر في كثير من البلدان حتى الغنية منها، وهي الامتيازات التي لم تقدمها الدولة لأبنائها في يوم من الأيام من باب المنة ولكن من باب الامتنان، وتلك هي فلسفة بطاقة الإهداء التي توزع مع المنازل التي يقدمها صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، لأبنائه المواطنين »من راعي الدار إلى أهل الدار«.

لذلك ربما يكون البعض لم يفهم العلاقة بشكل سليم، وفي لحظة غفلة، أصبحت علاقته بالوطن مرتبطة بهذا النمط من الامتيازات، أي أن نستفيد من خير الوطن من دون إدراك الجزء المكمل من الرسالة وهو: ماذا نفعل نحن للوطن؟ يحضرني هنا التذكير بأن العبارة الشهيرة المنسوبة للرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي: »لا تسأل ماذا أعطاك وطنك بل اسأل ماذا قدمت أنت لوطنك«.

فهذه العبارة ليست خاصة بالمواطن الأميركي، وإنما تصح في مخاطبة أي مواطن في أي بلد، وبالطبع في مقامنا هذا فإنها تصح كل الصحة في مخاطبة المواطن الإماراتي: لا تسأل ماذا أعطاك وطنك بل اسأل ماذا قدمت أنت لوطنك!

في المنظور الوطني الإماراتي، هذا يعني أن الخدمة الوطنية والاحتياطية هي مجال واسع لكي يبدأ المواطن في صياغة مستوى جديد من علاقته بوطنه، قائم على البذل والتضحية والعطاء والاستعداد، وقبل ذلك وبعده الجاهزية الدائمة للدفاع عن الوطن، ليس فقط عسكرياً أو أمنياً وإنما وعي وانتماء وولاء. في هذا السياق تترسخ قيمة وطنية إيجابية متجددة ومتجذرة في سياق جديد، هي قيمة البذل والتضحية والدفاع عن الوطن.

أما إذا أعدنا تقييم نفس العلاقة، ولكن من منظور التفكير الإيجابي تجاه المواطن، فإننا سنجد أن قرار الدولة (كمؤسسة تعبر عن الضمير الجمعي للمواطنين) بفتح الباب أمام أبناء الوطن للانضمام إلى الواجب الدستوري والطبيعي في الدفاع عن هذا الوطن، يعني أن الدولة تتعامل مع المواطن من منظور الشريك الذي يتقاسم المسؤولية الوطنية على كافة مستوياتها، وهو أمر لا يبتعد بنا كثيراً عن الجزء المكمّل لهذه المعادلة، وهو برنامج التمكين السياسي المتدرج، الذي أعلنه وتبناه صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، منذ العام 2005، وهذا ما يعلي قيمة إيجابية أخرى من قيمنا الوطنية، ألا وهي المسؤولية والمشاركة.

وإذا تأملنا أهداف الخدمة الوطنية والاحتياطية كما عبر عنها الموقع الخاص الذي أطلقته هيئة الخدمة الوطنية، نجد أن هذا المشروع الوطني يمضي قدماً في ضخ القوة الدافعة الإيجابية في شرايين العلاقة المتجذرة بين المواطن ووطنه. فإضافة إلى التركيز على البعد الدستوري (التأسيسي، البنيوي، الاتحادي) للدفاع عن الوطن كفرض مقدس، تبرز لنا مجموعة من الأهداف الإيجابية والتي تشمل (نقلاً عن موقع الهيئة):

- تشكيل قوة دفاع وطني إضافية من شباب الوطن، لحماية حدوده والمحافظة على المقدرات والمكتسبات الوطنية.

- إبراز دور القوات المسلحة والمؤسسات الأمنية الأخرى ومنتسبيها، في الحفاظ على أمن الوطن وحماية إنجازاته، والتأكيد على أن الدور الذي يقوم به المنتسب أثناء تأديته للخدمة الوطنية يعتبر جزءًا من الدور الوطني للقوات المسلحة.

- خلق جيل جديد واثق وواعد ويمتلك مقومات الشخصية القيادية، من حيث مختلف الركائز كالقوة البدنية، والاعتماد على الذات، وتحمل المسؤولية، والانضباط، واحترام القانون وتقدير قيمة الوقت، الأمر الذي لا يعني فقر الشباب الإماراتي لتلك المقومات، بل أن الخدمة الوطنية سترسخها وستعمل على تطويرها وفق أسس علمية وتدريبات عملية.

- التنشئة الوطنية السليمة لأبناء الوطن، من خلال غرس وترسيخ قيم الولاء والانتماء والتضحية في نفوسهم، وربط تلك القيم بالمبادئ الصحيحة لديننا الحنيف.

- تعزيز العمل بروح الفريق الواحد بين أبناء المجتمع.

- الحفاظ على الهوية الوطنية.

والحقيقة أن هذه الأهداف عميقة وجليلة، لا يمكن لأي إنسان لديه الحد الأدنى من الحس الوطني والتفكير الإيجابي أن يختلف معها، لكني أود أن أتوقف ملياً عند الهدف الأخير، ألا وهو هدف الحفاظ على الهوية الوطنية.

فحن كما يعلم الجميع نمتاز، بحمد الله، بهوية وطنية جامعة ذات صفات وقيم إيجابية، وهو ما أثبتته بشكل علمي دراسة متخصصة، سبق لنا في مؤسسة وطني الإمارات أن أجريناها بالتعاون مع جهة عالمية.

وعندما نقول اليوم إن فكرة إيجابية بحجم فكرة الخدمة الوطنية والاحتياطية ستساهم في تعزيز هذه الهوية الوطنية والحفاظ عليها، فإن هذا يؤكد بوضوح العلاقة الوثيقة بين القيم التي تشكّل الهوية الوطنية الإماراتية، والقيم التي ترسخها الخدمة العسكرية في نفوس منتسبيها بشكل عام، والتي نتوقع ترسيخها في نفوس منتسبي برنامج الخدمة الوطنية والاحتياطية بشكل خاص.

لذلك علينا أن نفهم هذه العلاقة بشكل عملي ومبسط، فالذي يبذل روحه من أجل وطنه لن يتوانى عن بذل أي شيء آخر من أجل هذا الوطن، وفي كل دول العالم تثبت التجربة أن العسكري المقاتل هو التجسيد الأبرز للهوية الوطنية، وهو أمر صحيح في الإمارات أيضاً، وإذا لم تصدقوا، دعوني أختبركم باختبار بسيط، عودوا إلى قَسَم الولاء لدولة الإمارات الذي أدته مجموعة من رجال قواتنا المسلحة الأشاوس في ذكرى اليوم الوطني الأربعين، واسألوا أنفسكم: كم كنتم إماراتيين وأنتم ترددون معهم كلمات هذا القسم، رغم أنكم لستم عسكريين؟

طباعة Email