إذا جاءك من إسرائيل في هذه الأيام، الرأي ونقيضه عن المسؤول نفسه أو الجهة ذاتها حول ظاهرة ما أو قضية، فلا تعجب.. فالجدل بين يدي القوم هناك قائم على أشده، وعلى كل شيء تقريباً.. بل إن النقاش وتضارب الرؤى وحيرة التوقعات بشأن قضايا شديدة الحساسية، وفي طليعتها مستقبل اليهود وأمنهم الوجودي، داخل الدولة وخارجها، أضحى جزءا من مسامرات الجاليات اليهودية على صعيد عالمي.

والظاهر أن العدوان على غزة وردود أفعاله، ولا سيما مقاومته فلسطينيا ببسالة منقطعة النظير، كان له فعل السحر، بحيث أقعد اليهود والصهاينة والإسرائيليين على صفيح ساخن، وأثار نوعية من الأسئلة التي تراوح فرص الاهتداء إلى إجابات شافية لها، بين الصعب والمستحيل.

تسوّق النخب الحاكمة في إسرائيل حروبها العدوانية على الفلسطينيين وسواهم إقليميا، باعتبارها وسيلة للقضاء على التهديدات القائمة ضد الدولة، وهو ما يؤدي بالتداعي إلى رفع معدلات أمن اليهود في كل مكان، غير أن كل هذه الحروب كانت أقرب إلى الفشل في تحقيق هذه الغايات.

وبالنظر إلى زعم إسرائيل تمثيل اليهود وإسباغ حمايتها عليهم أينما كانوا، على نحو عابر للحدود والسيادات، فإن يهود العالم تصلهم شظايا هذا الفشل على نحو أو آخر.

وهذه الحيثيات هي التي تفسر، مثلا، تأثر اليهود البريطانيين بأصداء العدوان الأخير على غزة، وشكواهم من تداعياته.. وذلك في الوقت ذاته الذي يشكو فيه سكان المستوطنات التي تقع في مرمى صواريخ المقاومة الفلسطينية داخل إسرائيل! المشهد بهذا الخصوص يبدو كالتالي: تمارس إسرائيل سياساتها العدوانية الدموية على فلسطينيي غزة، فيتألم اليهود داخل إسرائيل وخارجها بشكل أو آخر.

لقد علق ناتان شارانسكي رئيس الوكالة اليهودية، على هذه الوضعية قائلاً إن «أيام اليهود في أوروبا باتت معدودة، لأن انعكاسات الحرب على غزة ستجعلهم يشعرون بأنه لا مستقبل لهم فيها، وستدفع المزيد منهم للتوجه إلى إسرائيل».

ذهب الرجل إلى هذا التقدير وهو يتأمل ردود أفعال الأوروبيين السلبية الغاضبة، تجاه إسرائيل في «الشرق الأوسط»، وتجاه اليهود في القارة العجوز. وجهة نظرنا أن شارانسكي قد أصاب، حين ربط بين العدوان الباغي على غزة وبين اللوم والتقريع وأعمال التحرش التي تعرض لها يهود أوروبا.. لكنه لم يكن موفقا في تشوفه لنتائج هذه الظاهرة، عندما تصور أن نتيجة هذا الارتباط ستعزز هجرة اليهود إلى إسرائيل.

فمثل هذا الاحتمال لا يتحقق إلا في حال تحسس يهود أوروبا من خطر جسيم يتربص بحيواتهم، وكانت إسرائيل في الوقت ذاته ملاذاً آمنا لمن أراد منهم الايواء الآمن.

وهذه معادلة لا مجال للاعتقاد بتوفر أشراطها راهنا، ولا في المستقبل المنظور.

لا ندفع بهذا الرأي من عندياتنا فقط، وإنما يشاركنا فيه بعض الإسرائيليين غير المغشي عليهم وغير المغرورين بقوة دولتهم العسكرية، ومن هؤلاء جدعون ليفي (هآرتس 14/8) الذي يعتقد أن «إسرائيل ومنذ نشأتها تعد المكان الأخطر على يهود العالم.. ولا يوجد مكان آخر أصيب فيه عدد كبير من اليهود كالذي أصيب في حروبها».

والحال كذلك، فإن ليفي يشاطرنا الرأي ذاته الذي يعاكس توقعات شارانسكي، وذلك رغم كون هذا الأخير يمارس عملاً أقرب إلى ملامسة نبض اليهود، وتعيين ما يضرهم وينفعهم أمنيا في مختلف العوالم.

ويوحي هذا السلوك بأن شارانسكي وطواقم العاملين معه، يودون استغلال الغضب الأوروبي والعالمي على اليهود، المحسوبين جدلاً على تأييد إسرائيل، لتقوية أهم أدوارهم وأدوار وكالتهم اليهودية، وهو العكوف على قضية الهجرة.

بيد أن حمأة الانشغال بهذا الهدف، أعمتهم عن الظروف والملابسات الموضوعية المحيطة بهذه المهمة، إلى درجة أنهم يدعون اليهود لـ«العودة» إلى وطن غير آمن، بل هو حقا وصدقا الأقل أمنا لهم على ظهر المعمورة.

الشاهد أن اليهود جميعهم، ، هم في أزمة كبيرة حول الأمن. والمسؤول اليوم عن هذه الوضعية ، هو ذاته المسؤول تاريخيا عنها: الفكرة الصهيونية ومشروعها، وممارساته الإرهابية.

 بالمعنى التاريخي طويل الأجل، الأبدي أو النهائي إن أراد البعض، قد لا تجد هذه المعضلة حلاً لها سوى في زوال الصهيونية، الفكرة والكيان السياسي. لكن الحل الأكثر واقعية في الحاضر أو المستقبل القريب، يكمن في انصياع إسرائيل لسوية الشرعية والقانون الدوليين.