أضواء على محنة قطاع التجزئة الأميركي

مع دخول أميركا موسم الشراء الذي يتزامن مع أعياد الميلاد، يكون هذا هو الوقت الذي يقرر فيه المستهلكون الأميركيون مصير تجار التجزئة، كما يقررون بشكل غير مباشر مصير الاقتصاد الأميركي. وما يتم غالبا نسيانه هو أن المستهلكين عاملون أيضا، وإذا كانت أجورهم لا تواكب احتياجاتهم، فإنه لا يمكنهم جعل الاقتصاد يواصل مسيرته.

قبل نصف قرن من الزمن، كان أكبر مشغل في القطاع الخاص يتمثل في شركة جنرال موتورز، التي كان العامل فيها بدوام كامل يكسب أجرا متوسطه 50 دولارا (مقوما بقيمة الدولار اليوم) عن الساعة الواحدة، بما في ذلك التأمين الصحي والمعاش.

واليوم فإن أكبر مشغل في أميركا في القطاع الخاص هو شركة وول مارت، التي يكسب مندوب المبيعات فيها ما متوسطه 8.81 دولارات في الساعة. وثلث العاملين في هذه الشركة يعملون أقل من 28 ساعة أسبوعيا، وهم ليسوا مشمولين بفوائد المعاش وغيره.

وهناك أسباب عدة لهذا الفارق، ولكن هناك سببا يرتبط عن كثب بهذا التغير الكبير، ويتمثل في تقلص النقابات العمالية في الولايات المتحدة. ففي الخمسينات من القرن الماضي كان ثلث العاملين في القطاع الخاص ينتمون إلى نقابة ما، أما اليوم فإن أقل من 7% منهم يندرجون في عضوية نقابة، وكنتيجة لذلك فإن العاملين في شركة وول مارت ليست لديهم نقابة تمثلهم، وبالتالي ليست لديهم سبل تمكنهم من الحصول على الكثير من أرباح الشركة.

وقد كسبت شركة وول مارت خلال عام واحد 16 مليار دولار، ذهب جانب كبير منها إلى حاملي أسهم وول مارت، بمن فيهم عائلة مؤسس الشركة سام والتون.

وتتجاوز ثروة عائلة والتون الآن ثروة الـ40% الأقل دخلا من العائلات الأميركية مجتمعة، بحسب تحليل قدمه معهد السياسة الاقتصادية.

هل يوشك هذا على أن يتغير؟ رغم العقود المنقضية من المحاولات التي منيت بالفشل لإنشاء النقابات، فإن العاملين في وول مارت ينظمون صفوفهم حاليا على امتداد الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا التحرك للعاملين في وول مارت الإعراب عن شكاواهم علانية، والتي لا تشمل الأجور السيئة (التي تصل في انخفاضها إلى 8 دولارات في الساعة)، وإنما تشمل أيضا ظروف العمل غير الآمنة وغير الصحية، وساعات العمل الممتدة، والتحرش الجنسي. والنتيجة هي دعاية سيئة للشركة، في الوقت الذي تريد أن ينظر إليها الجمهور باعتبارها بابا نويل.

وما يحدث في وول مارت ستكون له عواقب تمتد بعيدا عن الشركة، فالشركات الكبرى الأخرى العاملة في قطاع التجزئة تراقب ما يجري بحرص. وعلى نطاق أوسع، فإن انعدام المساواة الآخذ في الاتساع، والذي يعكس الهوة بين الأجور التي يتلقاها العاملون في وول مارت والعوائد التي يتلقاها المستثمرون في الشركة، يهيمن على الاقتصاد الأميركي. يشكل إنفاق المستهلكين 70% من النشاط الاقتصادي، وفيما الدخل والثروة يتركزان عند القمة، ويواصل متوسط الأجر الانخفاض.

حيث أصبح الآن أقل بنسبة 8% عما كان عليه سنة 2000، فإن شريحة متعاظمة من قوة العمالة الأميركية، تفتقر إلى القوة الشرائية الضرورية لإعادة الاقتصاد الأميركي إلى الانطلاق السريع. وبدون طبقة متوسطة نشطة ومتعاظمة، فإن شركة وول مارت نفسها لن يكون لديها المستهلكون الذين تحتاج إليهم. ومعظم الوظائف الجديدة في أميركا موجودة في قطاع الخدمات الشخصية، مثل قطاع التجزئة الذي يحصل العاملون فيه على أجر سيئ ويعملون ساعات طويلة، حيث تفيد إحصاءات مكتب العمل بأن ما يكسبه العامل بدوام كامل في قطاع التجزئة، يتراوح بين 18-21 ألف دولار سنويا.

ولكن إذا حصل العاملون في قطاع التجزئة على زيادة في أجورهم، فهل يتعين على المستهلكين دفع أسعار أعلى لتعويض هذه الزيادة؟ تفيد دراسة أجراها مركز أبحاث »ديموس«، بأن رفع رواتب العاملين بدوام كامل في شركات التجزئة الكبرى ليصل إلى 25 ألف دولار سنويا، سيرفع 700 ألف شخص إلى خارج نطاق الفقر، وذلك بتكلفة لا تتجاوز زيادة نسبتها 1% بالنسبة للمستهلكين.

وحتى شركات التجزئة نفسها سوف تستفيد من ذلك، حيث تفيد الدراسة نفسها بأن التكلفة عن الزيادات في رواتب العاملين بالنسبة لشركات التجزئة الكبرى ستكون 20.8 مليار دولار، أي حوالي 1% من إجمالي المبيعات السنوية للقطاع البالغ 2.17 تريليون دولار.

ولكن الدراسة أيضا تقدر أن الزيادة في القوة الشرائية للعاملين ذوي الأجور الأكثر انخفاضا كنتيجة لهذه الزيادات في الرواتب، سوف تولد 4-5 مليارات دولار في صورة مبيعات تجزئة إضافية.. وهذا يبدو شيئا جيدا على كل المستويات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات