عادت أزمة العراق تتصدر عناوين الصحف العالمية عقب العودة الخجولة لواشنطن للاهتمام بها بعد سكوت شبه مطبق على مدى ثلاث سنوات منذ انسحاب قواتها نهاية ديسمبر 2011، ولم يأت الموقف الأميركي بقناعة تامة من الرئيس أوباما.

ولكن تحت ضغوط شديدة سلطها الرأي العام العالمي الذي وقف مشدوهاً أمام الجرائم التي ترتكبها «داعش» إذ لم يعد بوسع العالم تجاهل ما يحدث في العراق والسكوت عما يجري فيه من مجازر يندى لها جبين الإنسانية وبعد أن أصبحت «داعش» خطرا حقيقيا يهدد أمن معظم دول المنطقة بعد التطورات الميدانية والاختراقات الكبيرة والسريعة التي حققتها في العراق وقيامها بتوسيع عملياتها نحو لبنان حين هاجمت بلدة عرسال الحدودية.

يبدو أن زحف «داعش» باتجاه العاصمة بغداد أصبح هدفاً مؤجلاً ففشلها في اجتياح سامراء، الطريق نحو بغداد، دفعها للتوجه نحو المواقع الرخوة التي تفتقر إلى حماية حقيقية مثل مواقع الإيزيدين في سنجار ومواقع المسيحيين في سهل نينوى لتحقق اختراقات كبيرة وسهلة خلفت عشرات الألوف من النازحين إلى إقليم كردستان.

ولتصبح بعد أن سيطرت على سد الموصل أكبر تهديد لأمن الإقليم حين باتت على تماس مباشر معه، وهو أبرز تهديد لسلامته منذ نشوئه.

قرار الرئيس الأميركي بتوجيه ضربات جوية إلى مواقع هذا التنظيم المسلح لحماية المدنيين الذين نزحوا من المدن وتقديم مساعدات إنسانية لهم جاء متأخرا من جهة ولم يتأت كجزء من استراتيجية جديدة تتخذها الولايات المتحدة في علاقاتها مع العراق الذي ترتبط معه باتفاقية أمنية من جهة أخرى.

وقد اشترط الرئيس لتقديم السلاح للحكومة العراقية نجاح الساسة العراقيين في تشكيل حكومة شراكة وطنية تضم جميع الأطراف.

وقد دعا الرئيس أوباما إلى اهتمام دولي بالقضية العراقية بعد أن أشرك كل من الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني في معالجة تداعيات الأزمة وبعد أن اعتبر مجلس الأمن الدولي ممارسات «داعش» خاصة مع الطائفة الإيزيدية في سنجار بأنها ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، معتبرا هذا التنظيم مصدراً لتهديد الأمن الإقليمي.

العراق في مخاض صعب جداً والولايات المتحدة بالتفاتتها الأخيرة لا تقدم منة وفضلاً للعراقيين، فهي أمام مسؤولية أخلاقية لأن ما يجري في العراق على مدى الإحدى عشرة سنة المنصرمة من مآس هو من تداعيات عملية الغزو الذي قامت به وتفكيك الدولة العراقية.

إن طبيعة العمليات العسكرية الأميركية التي اقتصرت على عدد محدود جداً من الطلعات الجوية من المستبعد أن تقلب الموازين على أرض المعركة وتحسم الموقف، ولكنها ساعدت على الحد من المذابح الجماعية عن طريق توفير ممرات آمنة لخروج آلاف المحاصرين في جبل سنجار ونقلهم إلى محافظة دهوك الكردية الأقرب إليهم، وقد أوقفت هذه الهجمات الجوية لعدم فاعليتها في وقف اندفاع «داعش» واستعيض عنها بتزويد إقليم كردستان بالسلاح.

التدخل الأميركي العسكري المحدود وتقديم المساعدات الإنسانية للنازحين من المدن المنكوبة ليست في الحقيقة غير إجراءات مؤقتة للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية إلا أنها ليست الحلول لها بكل تأكيد.

الحلول لهذه الأزمة ولغيرها من الأزمات تتأتى فقط من الإرادة العراقية في التوصل إلى صيغة عمل سياسي بعيد عن الطائفية والعمل بعزم وحزم على إزالة آثار السياسات الطائفية الخرقاء التي انتهجت في العراق، والتي تعتبر المسؤولة بشكل رئيسي عن ولادة ونشوء «داعش».

باب الخروج من المأزق في هذا المنعطف التاريخي قد توافر بالتغيير الذي حصل حين حسم التحالف الوطني موقفه، وقدم الدكتور حيدر العبادي بديلاً عن المالكي لرئاسة الوزارة لتطوى حقبة ثماني سنوات مظلمة من حكم نوري المالكي ألحقت أبلغ الخراب بالعراق .

وكان هذا الترشيح بمثابة انتصار لكتلة التحالف الوطني الذي أثبت حضوره ووحدته حين وقف رؤساء الكتل المؤتلفة فيه إلى جانب الدكتور حيدر العبادي في مراسم تكليفه بتشكيل الوزارة من قبل الرئيس العراقي فؤاد معصوم.

من جانب آخر تلقى اعتراضات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على إجراءات التكليف من منظور كونها غير دستورية وتقديمه شكوى ضد رئيس الجمهورية إلى المحكمة الاتحادية وإصراره على التمسك بمنصبه واتخاذه إجراءات أمنية سيطرت فيها القوات الموالية له على الأماكن الحساسة في العاصمة وحشد أنصاره للتظاهر، تلقى استنكاراً وتحذيرات أميركية بضرورة قبول الواقع وعدم اللجوء للعنف.

شهدنا حتى الآن منذ الانتخابات النيابية الأخيرة في نهاية أبريل المنصرم تغييرا في الوجوه لمن يشغل المراكز القيادية الثلاثة في الدولة وهي الرئاسات الثلاث، إلا أن المهم أن نشهد تغيرا في المنهج السياسي الذي يعيد الوحدة للمجتمع العراقي الذي هو مفتاح الحل الأساسي لجميع مآزق البلد. التغيير المطلوب هو التحلي بالحكمة وبروح التسامح وإعادة النظر بالتشريعات القانونية التي مزقت لحمة المجتمع.