في العام الماضي، ومن قارة إفريقيا حيث كان يزور مدينة كيب تاون في جنوب إفريقيا، دعا الرئيس الأميركي باراك أوباما زعماء دول إفريقيا جنوب الصحراء لقمة أميركية إفريقية تعقد في العاصمة الأميركية، بعد عام لكتابة »فصل جديد في العلاقة بين الولايات المتحدة والقارة«. وقد انعقدت القمة الأميركية الإفريقية فعلا هذا الشهر، واستغرقت ثلاثة أيام، لكن لا يستطيع أحد أن يزعم أنها مثلت »فصلا جديدا« من فصول العلاقة بين الجانبين، فهي لا تمثل تغييرا يذكر في طبيعة علاقة الولايات المتحدة الأميركية بالقارة.
فالقمة ببساطة كرست السياسة نفسها التي اتبعتها أميركا في العقدين الأخيرين على الأقل تجاهها، فقد عمدت الولايات المتحدة إلى الاستمرار في التأكيد على مسار التجارة والاستثمار بدلا من المساعدات الاقتصادية، والسعي بقدر الإمكان لطرد المنافسين لأميركا من القارة، وخصوصا الصين. وهي استمرت أيضا في النهج نفسه الخاص بالهيمنة على القارة أمنيا وعسكريا، وإن كان بشكل أكثر كثافة عن ذي قبل.
ففي ما يتعلق بالتجارة والاستثمار، كان الواضح أن الولايات المتحدة تريد فعلا أن تؤكد وجودها، ليس فقط أمام منافسها الأكثر شراسة، أي الصين، وإنما أمام قوى أخرى صاعدة صارت تنافس هي الأخرى على الأسواق الإفريقية، مثل الهند والبرازيل. وقد أعلن أوباما بنفسه أن القارة سوف تستقبل في العام القادم وحده استثمارات أميركية خاصة تصل إلى 14 مليار دولار، خصوصا في مجال الطاقة النظيفة وتكنولوجيا المعلومات والبناء والمعمار.
وكان عدد من الشركات العملاقة حاضرا هذه القمة، من جنرال الكتريك ولوكهيد مارتن إلى وول مارت وفورد. وقد أبدت الولايات المتحدة اهتماما كبيرا بالتعاون التجاري مع دول القارة، خصوصا مع ارتفاع معدلات النمو في دول مثل إثيوبيا ورواندا، وأبدت اهتماما بالتعاون خصوصا في مجال الطاقة الذي تحتاجه أغلب دول القارة، غير أن أيا من ذلك ليس جديدا في الواقع.
فمع بداية الألفية الجديدة، كانت إدارة بوش الابن قد أكدت على منهج الاستثمار والتجارة مع دول القارة، كبديل للمساعدات الاقتصادية، وكان قانون »النمو والفرص الإفريقية« المعروف اختصارا باسم »أجوا« والذي أصدره الكونغرس في عام 2000، هو الذي دشن ذلك المسار، إذ كان يقوم على فتح الباب أمام الصادرات الإفريقية لدخول الولايات المتحدة معفاة من الجمارك.
ولم يكن السير في هذا النهج يعني وضع نهاية لتوجهات الحرب الباردة، التي كانت ترتكز فيها نظرة الولايات المتحدة لإفريقيا على الجوانب الأمنية والعسكرية، حيث كان يتم النظر للقارة فقط من زاوية الصراع بين الكتلتين، فقد ظل هذا الجانب حاضرا حتى بعد نهاية الحرب الباردة. وفي الألفية الجديدة، لم يغب العامل العسكري والأمني مطلقا، وإنما تمت إعادة تدويره تحت مسميات جديدة، وإن كانت في النهاية تخدم الأهداف والمصالح الأميركية ذاتها.
فقد كان إنشاء قوة أفريكوم وتمركزها في إفريقيا، له أكبر الأثر في بسط الهيمنة الأميركية العسكرية على إفريقيا جنوب الصحراء، بل وعلى الاتحاد الإفريقي نفسه.
واليد الأميركية الثقيلة في المجال العسكري والأمني، بدت أكثر وضوحا في لقاء القمة الإفريقية الذي عقد في واشنطن، من خلال الإعلان عن تنفيذ مبادرتين أعلنت عنهما الولايات المتحدة.
المبادرة الأولى وسميت »مبادرة الشراكة من أجل حفظ السلام«، هي التي أعلن من خلالها أوباما عن استعداد بلاده لإنفاق 110 ملايين دولار سنويا من أجل المشاركة كدفعة أولى، مع ست دول إفريقية لها تاريخ في عمليات حفظ السلام في إنشاء قوات رد فعل وانتشار سريع لحفظ السلام، لتكون قادرة على وقف العنف ومواجهة المتطرفين، مثل بوكو حرام أو منظمة الشباب في الصومال، ولتساعد قوات كل من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. والدول الست هي غانا والسنغال ورواندا وتنزانيا وإثيوبيا وأوغندا.
وقالت الولايات المتحدة إن المبادرة مفتوحة لانضمام دول إفريقية أخرى إليها مستقبلا، وإنها سوف تدعو دولا غير إفريقية لاحقا، فالكل من مصلحته الاستقرار والأمن في إفريقيا. والحقيقة أن تلك الفكرة هي الأخرى ليست جديدة بالمرة، فهي فكرة الحرب بالوكالة التي كانت الولايات المتحدة تستخدمها أثناء الحرب الباردة.
فقارة إفريقيا لديها من قوات حفظ السلام ما يكفيها، سواء تلك التابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي. ومن ثم فهي ليست بحاجة لقوة ثالثة تقودها وتحدد أجندتها وأولوياتها الولايات المتحدة بنفسها، إلا إذا كان الهدف هو الحرب بالوكالة. أما المبادرة الثانية فهي لا تقل في خطورتها عن الأولى، وهي تسمى »مبادرة أمن الحكم«.
وهدف المبادرة واضح من عنوانها، فهي تسعى لتأمين الحكام لا المحكومين! وتقول الولايات المتحدة في هذا الصدد إن إفريقيا منطقة ديناميكية، تحقق تقدما في مجال النمو الاقتصادي والتجاري، »ولكن الدولة في إفريقيا تواجه تحديات أمنية، والتهديدات الأمنية المحلية والدولية تعرقل التقدم«. لذا »تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة على تقوية قطاع الأمن«، وتكون البداية مع ست دول عبر برامج تدريبية للقطاعات الأمنية فيها، تبلغ تكلفتها 65 مليون دولار في مرحلتها الأولى.
والخطورة في تلك المبادرة أن للولايات المتحدة تاريخا معروفا في مثل تلك التدريبات، خصوصا في أميركا اللاتينية، حيث إنها هي التي »دربت« أولئك الذين صاروا فيما بعد من أسوأ من انتهكوا حقوق الإنسان في بلادهم. بالمناسبة، القمة الأميركية الإفريقية تجاهلت قضايا حقوق الإنسان وانتهاكاتها، الأمر الذي يلفت الانتباه ويزيد من هذه الشكوك.