يشعرني بعض الأخبار في وسائل إعلامنا، وبعض المقالات التي تنشر في صحفنا، وبعض التغريدات التي نقرؤها على مواقع التواصل الاجتماعي، عن المساعدات التي نقدمها لإخوتنا الذين في غزة، بأننا ندفع عن أنفسنا تهمة الشماتة والتواطؤ، وأن لدى البعض منا إحساساً بالحرج والتقصير تجاه إخوتنا هناك، والقضية الفلسطينية بشكل عام، شعور أتمنى ألا يكون حقيقياً، لأنه إذا صح فإنه يعني أن مساعي الذين عملوا على دق إسفين بيننا وبين أشقائنا الفلسطينيين قد نجحت.

والذين يسعون إلى هذا كثيرون، خصوصاً في ظل هذه الأجواء غير الصحية الملتبسة التي تمر بها أمتنا العربية، وفي ظل هذا الصراع المحتدم بين القوى التي تسعى إلى السيطرة على مركز القرار في الأمة، والوصول إلى الحكم وفقاً لأيديولوجيات معينة، لتنفيذ أجندات محددة تدعمها قوى خارجية.

وقد حقق بعضها نجاحاً مؤقتاً في بعض الدول العربية، قبل أن ينكشف ويتضح خداعه، وتنتصر إرادة الشعوب قاطعة عليه المضي في تنفيذ خططه، بينما حقق بعضها الآخر نجاحاً محدوداً في المساحة التي استطاع أن يحتلها من السلطة، في ظل الفراغ الذي اتسعت مساحته في هذه الدول، نتيجة غياب المشاركة الشعبية الحقيقية، واستشراء الفساد، وشيوع الفقر، الأمر الذي هيأ لهذا البعض أرضية للعمل، فاستغل معاناة الشعوب لكسب شعبية زائفة لنفسه، سرعان ما انكشف عنها الغطاء واتضحت حقيقته.

ما يثير الحزن والأسى أن هناك من بين الفلسطينيين أنفسهم من تحالف مع الجماعات التي ركبت موجة »الربيع العربي« المزعوم، أو خرج منها أصلاً مشكلاً ذراعاً لها، وسعى إلى تغذية هذه الفكرة عن الدول الخليجية التي وقفت طوال تاريخها مع الشعب الفلسطيني البطل، لمجرد أن هذه الدول واجهت هذه الجماعات عندما حاولت التمدد إلى دول الخليج عن طريق الخلايا التي زرعتها فيها.

حرصاً على أمن هذه الدول واستقرارها، وحفاظاً على المنجزات التي تحققت لشعوبها، والتي سيتم القضاء عليها لو نجحت هذه الجماعات في مد نفوذها، وتحريك أذرعها في هذه الدول لإحداث حالة من الفوضى شبيهة بالتي حدثت في دول »الربيع العربي« المزعوم، وهو ما لم يتحقق لها بفضل وعي شعوب هذه الدول والتفافها حول قياداتها لإحباط هذه المخططات، وبفضل يقظة أجهزتها الأمنية وكشفها لكل من يتربص بالوطن، وقطعها الطريق عليه.

الذين يحاولون أن يشيعوا هذا الإحساس لدينا هم أؤلئك الذين يشكلون أذرعا لهذه الجماعات، أو تجمعهم معها مصالح مشتركة، وهم يضعون كل الدول التي وقفت ضد هذه الجماعات في سلة واحدة، ويوجهون إليها الاتهام والتشكيك في موقفها من القضية الفلسطينية، ويقسمون الشعب الفلسطيني إلى حمساوي وفتحاوي وغيرها من التصنيفات، تساندهم في ذلك دول تسخر أجهزة إعلامها لترويج هذه الأفكار، وتشويه مواقف الدول التي لا تمشي في ركابها.

والشواهد على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، محاولة الإساءة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بادعاء أن وزير خارجيتها اجتمع مع وزير الخارجية الإسرائيلي، وتكفل بمصاريف الحرب على غزة للقضاء على حركة حماس، واتهام فريق الهلال الأحمر الإماراتي الذي كان أول الداخلين إلى غزة لتقديم العون لأهلها، بأنهم جواسيس يمدون العدو الإسرائيلي بالمعلومات، كأن أجهزة المخابرات الإسرائلية لا تعمل داخل غزة، وليس لها عملاء يمدونها بالمعلومات، وأنها لا تعرف شوارع القطاع شارعاً شارعاً، وبيوته بيتاً بيتاً!

كل هذا اللغط الذي تثيره وسائل إعلام نعرفها جميعاً، ونعرف أهدافها، ونعرف من يقف خلفها، ومن يدعمها ويوفر لها الميزانيات والمناخ الذي تعمل فيه، باستخدام هذا الأسلوب الرخيص الذي لن يلطخ صفحة الإمارات الناصعة، ولن يمحو تاريخها الحافل في مساندة القضية الفلسطينية، قضية العرب والمسلمين كلهم، وليست قضية الجماعات التي تسعى إلى كراسي الحكم لتنفيذ أجنداتها الخاصة.

فقد وقفت دولة الإمارات منذ تأسيسها، على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وما زالت تقف حتى الآن، مع الفلسطينيين الشرفاء الذين يقدمون مصلحة وطنهم على مصالح جماعاتهم الضيقة، وينتمون إلى تراب وطنهم، لا تراب الجماعات التي لا تعرف لها وطناً سوى مصالحها وأجنداتها، وسعيها للوصول إلى السلطة بأي ثمن، حتى لو كان هذا على حساب المبادئ التي تدّعيها.

تاريخ دولة الإمارات، ودول الخليج بشكل عام، في مناصرة القضية الفلسطينية معروف، ومواقفها مسجلة، لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد أو مكابر. وما تقدمه هذه الدول اليوم من عون ومساندة للشعب الفلسطيني في غزة ليس طارئاً، وإنما هو امتداد لما قدمته، دونما منة أو فضل، على مدى سنوات طويلة من تاريخ القضية الفلسطينية، كما أنه ليس ردة فعل لما يثيره البعض هذه الأيام، وما يبثه من أخبار كاذبة مغرضة لا تستحق الالتفات إليها، ولا الرد عليها، مثلما فعل سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، في شهر رمضان الماضي، عندما ترفّع عن الرد على الخبر الكاذب الذي بثته قناة «الجزيرة »القطرية عن اجتماعه مع وزير الخارجية الإسرائيلي. لهذا نقول إن الإحساس بالذنب والتقصير يجب ألا يكون له أثر في وسائل إعلامنا، لأن من يجب أن يشعر بالذنب والتقصير، هم أولئك الذين يتاجرون بالدم الفلسطيني، لا نحن الذين حافظنا على طهارة موقفنا من القضية، ونأينا بأنفسنا عن الصراعات، وكنا الملاذ والملجأ للجميع عندما تحتدم الأزمات.