كان مجيء باراك أوباما إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة بمثابة النهاية لحقبة زمنية اعتبر العديد من المحللين السياسيين أنها حقبة ارتباك وضعف في السياسة الخارجية الأميركية بدأت منذ نهاية الحرب الباردة، وذهب البعض في انتقادها إلى حد وصفها بأنها حقبة تفتقر لوجود استراتيجية واضحة.

فقد خاضت الولايات المتحدة في هذه الحقبة حروباً عدة في البلقان، قامت خلالها بتغيير أنظمة حكم وساعدت على تفكيك دول، وتتوجت بمجيء الرئيس بوش الابن الذي خاض حربين غير ناجحتين في أفغانستان والعراق بعد أن تبنى مفهوم «الحرب العالمية على الإرهاب» وهو مفهوم لم يحظ باهتمام الرئيس أوباما، على الرغم من أنه لم يتخل من حيث المبدأ عن سياسة محاربة الإرهاب.

إلا أن حقبة الضعف والارتباك هذه لم تنته مع مجيء الرئيس أوباما بل أصبحت أكثر وضوحاً وظهوراً إلى العلن بطرائق لم يشهدها الرؤساء الذين سبقوه، فهو يواجه تهماً عن تسببه بغياب أميركا عن عدد من المناطق في العالم وعن عدد من القضايا الدولية وعن مسؤوليته في التمهيد لتخلي الولايات المتحدة عن مكانتها في العالم.

المنتقدون يرون أن سياسة إدارته الخارجية تتسم بالتردد والحذر الشديدين وهي سمة غير مألوفة لمن يشغل البيت الأبيض.

من جانبه، يشدد الرئيس في دفاعه عن منهجه في السياسة الخارجية بأنه «لا يستهدف الإعجاب أو الإثارة وإنما يعمل على تجنب الوقوع في الأخطاء». فالأفضلية لديه تجنب اختيار القرار الخاطئ وليس إظهار الحزم، وهذا ما جعل بعض حلفائه يخشون أن يتحول حذره إلى مبرر للعزوف عن الاستجابة المناسبة للأحداث ومدعاة لعدم التحرك.

إلا أن من الإنصاف أن نشير في هذا السياق إلى أن حضور الولايات المتحدة القوي عالمياً لا يمكن النظر إليه بمعزل عن قوتها الاقتصادية، فهو لم يكن مسؤولاً عما أصاب البنية الاقتصادية الأميركية من ضعف، بسبب سياسات من سبقوه، انعكس على تراجع دورها العالمي.

الرئيس أوباما أقل رغبة من الرئيس الذي سبقه في شن الحروب على الإرهاب فقد كان على رأس أجندته الانتخابية الانكفاء نحو الداخل من منظور قناعته بأن «العالم أصبح يضيق ذرعاً بالوجود الأميركي في كل مكان»، فعمد إلى سحب قواته من العراق مع نهاية عام 2011 ووضعت إدارته الترتيبات لانسحابها من أفغانستان مع نهاية العام الجاري.

صحيح أن إدارته حققت نجاحات محدودة في محاربة تنظيم القاعدة عن طريق استهداف العناصر النشطة في هذا التنظيم والاعتماد على الجهد الاستخباري في ذلك بديلاً عن الجهد العسكري القتالي.

إلا أن محصلة سياسته الانكفائية لم تجعل العالم أكثر أمناً من ذي قبل، فنحن نشهد ومنذ ما يقرب من أربع سنوات، منذ بدء الثورة في سوريا بالتحديد، ظهور تنظيمات إرهابية جديدة في العراق وسوريا لا تقل ضراوة عن القاعدة إن لم تكن تفوقها كتنظيم الدولة الإسلامية.

والحقيقة أن سياسة الرئيس أوباما في محاربة الإرهاب كانت مدخلاً لترميم صورة الولايات المتحدة التي لحقها الكثير من الضرر في عهد الرئيس الذي سبقه، ولإعادة الاعتبار لها بعد أن اهتزت مصداقيتها حين قامت بغزو دول أخرى بحجج سرعان ما تبين أنها لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

على صعيد آخر شكل المآل الذي آلت إليه دول الربيع العربي صدمة للسياسة الخارجية الأميركية التي رعت هذا الربيع ووفرت له الدعم الإعلامي والدبلوماسي وحتى العسكري فكان فصلاً جديداً من فصول علاقة الولايات المتحدة الدرامية المرتبكة مع العالم العربي والإسلامي التي تأرجحت بين دعمها للأنظمة القمعية وتحولها إلى غير ذلك لاحقاً.

ما أفقدها حلفاء أقوياء في المنطقة وترتب على ذلك مجيء زعماء جدد إن لم نقل أنهم أعداء للولايات المتحدة فهم لا يحملون نوايا طيبة نحوها، ناهيك عما تركه هذا الدعم من تداعيات انعكست على حالة الأمن الداخلي لهذه الدول التي فقدت استقرارها.

محوران آخران من الضروري الإشارة إليهما في سياق التطرق إلى إخفاقات السياسة الخارجية، أولهما يتعلق بتلطيف العلاقات مع روسيا تمهيداً لخطوة أخرى نحو خفض عدد الرؤوس النووية وتحقيق وضع أكثر أمناً للعالم وثانيهما يتعلق بالملف الفلسطيني.

إذ لم تفلح إدارة الرئيس الأميركي في تلطيف أجواء العلاقات مع روسيا بل زادتهما توتراً، على الرغم من تعاونهما فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، إلا أن الفرقة على خلفية الأحداث في أوكرانيا كانت أكبر من ذلك بكثير، فقد وقفت الولايات المتحدة عاجزة إزاء قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم إليها.

من جانب آخر لحقت سياسة إدارته هذه انتقادات للتخلي عن العمل العسكري الذي كان ينوي القيام به في سوريا مفضلاً التعاون مع روسيا لإزالة الأسلحة الكيميائية السورية.

ولعل الإخفاق الأكبر لسياسة إدارة أوباما الخارجية هو ملف الشرق الأوسط والتضارب الذي أصبح صارخاً بين وعود الرئيس وبين قدراته على الوفاء بها.

فقد جعل الرئيس إحلال السلام في الشرق الأوسط على رأس أولويات سياسته الخارجية في اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض، لكنه أثبت أنه غير قادر على الوفاء بوعوده على الرغم من أن وزير خارجيته جون كيري كان الأكثر نشاطاً والأكثر انشغالاً في مقاربة الملف الفلسطيني بين وزراء الخارجية الأميركان الذين سبقوه.

إذ لم يتحقق تقدم يذكر في هذا الملف بل حصل العكس، فالحرب الضروس الدائرة في غزة تعكس المدى الذي وصلت إليه الحلول السلمية وتكشف عن مدى ضعف الرئيس في مواجهة الضغوطات الصهيونية.