في السابع من رجب عام 483 هجرية، الموافق للرابع من سبتمبر عام 1090 ميلادية، دخل الحسن بن الصبّاح على رأس طائفة من الإسماعيلية الباطنية، قلعة »آلموت« المنيعة المبنية على صخرة عالية وسط جبال »البرز« جنوب بحر قزوين، في مدينة »رودبار« القريبة من نهر »شاه رود« في إيران، بعد رحلة طويلة بدأها من »الري« حيث ولد، وتنقل خلالها بين أصفهان وأذربيجان وميافارقين وفلسطين وأرض الجزيرة وسوريا وبيروت ومصر وبغداد، قبل أن يعود إلى أصفهان في التاسع والعشرين من ذي الحجة عام 473 هجرية، الموافق للعاشر من شهر يونيو عام 1081 ميلادية، لنشر الدعوة الإسماعيلية التي اعتنقها وهو في السابعة عشرة من عمره، رغم نشأته في بيئة شيعية اثني عشرية موروثة عن أجداده.
وكان سبب اقتناعه بها رجل يدعى عميرة بن زاراب، دعاه إلى اعتناق الإسماعيلية، وأدى يمين الولاء أمام نائب عن عبد الملك بن عطاش، كبير الدعاة الإسماعيليين في غرب إيران والعراق، الذي وافق على انضمامه للدعوة، وحدد له مهمة معينة فيها، وطلب منه السفر إلى القاهرة ليسجل اسمه في بلاط الخليفة الفاطمي.
لم يكن أحد وقتها يعرف ما يدور في ذهن بن الصبّاح.. وحده »شيخ الجبل« كما عُرِف بعد ذلك، كان يخطط ويفكّر، وكان يتخذ من التدابير ما يوصله إلى تحقيق حلمه، ويوفر من الأسباب ما يجعل منه حقيقة على أرض الواقع، لذلك وجد في قلعة »آلموت« المنيعة مكانا مناسبا يحميه من مطاردة السلاجقة له، كي ينطلق لنشر دعوته وأفكاره.
فقد كانت »آلموت« التي تعني بالعربية »عش النسر« حصنا قديما، بناه أحد ملوك الديلم فوق صخرة عالية وسط الجبال، على ارتفاع 6900 قدم، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر طريق واحد يلف على منحدر طبيعي، صخوره شديدة الانحدار وخطرة. وقد جدده حاكم علوي عام 860 ميلادية، وبقي تحت حكم العلويين حتى استولى عليه الحسن بن الصبّاح وعاش فيه بقية حياته، فلم يخرج منه طوال 35 عاما قضاها في توطيد أركان دعوته، حتى وفاته عام 1124م.
لقد أحاط بالقلعة وما كان يجري فيها غموض أدخلها في خانة الأساطير، وإن كان ما جرى على أرض الواقع من أحداث، منذ استيلاء بن الصباح عليها وحتى اقتحام المغول لها بقيادة »هولاكو« عام 1256م، يؤكد أن قلعة »آلموت« وما كان يحدث فيها كانا أسطورة فعلا، وأنها ستظل تلهب خيال البشر لينسج حولها الكتّاب والمؤلفون من الروايات والقصص ما يتسق مع الأحداث التي كانت تدور داخلها وحولها، وهذا ما فعله الأديب السلوفيني »فلاديمير بارتول« في روايته الشهيرة »آلموت«، التي ترجمت إلى أكثر من 19 لغة من لغات العالم، وأُدرِجت ضمن مقررات مناهج التعليم الثانوي في سلوفينيا، رغم أنها لم تلق الاهتمام الذي تستحقه من النقاد والقراء في بلاده عندما تم نشرها أول مرة.
لم تكن »آلموت« الرواية سردا للتاريخ، وإنما كانت عملا أدبيا اتكأ كاتبه على التاريخ لصناعة الحكاية، لذلك يخطئ من يبحث فيها عن حقيقة تاريخية، كما يخطئ من يجردها تماما من الحقيقة التاريخية متجاهلا الشخوص والأحداث. أما ما يعيد الرواية إلى الواجهة ويذكرنا بها الآن، فهو ما نشاهده من أحداث تقع هذه الأيام، كنا سنظنها ضربا من الخيال لو حدثت في الماضي، وكانت ستظنها الأجيال التي ستقرأ عنها في المستقبل خيالا، لولا طرق التسجيل والتوثيق التي أتاحتها تقنيات هذا العصر ووسائله.
فمنذ أن احتلت داعش مدينة »الموصل« أوائل شهر يونيو الماضي، وأعلنت قيام الدولة الإسلامية، ونصّبت زعيمها »أبا بكر البغدادي« خليفة للمسلمين، والأخبار تتواتر عما يجري هناك من أحداث هي أقرب إلى الأساطير منها إلى الحقيقة، فمن فرض للجزية على المسيحيين المقيمين في العراق والشام، إلى ختان للنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 11 و46 عاما، إلى إغلاق لمحال الزينة الرجالية بحجة أنها تخالف القصات الشرعية، ومنع الرجال من قص شعورهم وذقونهم لما فيه من التشبه بالكفار، إلى الطلب من المزارعين في المناطق الريفية تغطية أثداء الأبقار بحجة أنها فتنة تثير الغرائز، إلى منع إقامة صلاة العيد في المساجد، ومنع الأهالي من زيارة قبور أقربائهم في العيد بحجة أنها بدعة، إلى تفجير مراقد الأنبياء والرموز الدينية والتاريخية وتدميرها، إلى الطلب من السكان تقديم بناتهم غير المتزوجات لجهاد نكاح جماعي، وتزويجهن من عناصر التنظيم!
أحداث لا يمكن تصنيفها إلا في قائمة الأساطير المندرجة تحتها »آلموت«، التي انتهى »فلاديمير بارتول« من تأليفها عام 1938 ميلادية، قبل عام من قيام الحرب العالمية الثانية، أكثر الحروب كلفة في تاريخ البشرية، حيث شارك فيها أكثر من 100 مليون جندي، وتسببت في مقتل ما يقرب من 85 مليون إنسان، بين عسكري ومدني، وغيرت الخارطة السياسية والعسكرية والبنية الاجتماعية في العالم. فهل ثمة من يدفع كي تحل هذه الحروب الدينية والطائفية والفئوية، التي نعيشها اليوم، محل تلك الحروب الكونية الكبيرة؟
إذا كان الجواب نعم، فيجدر بالكُتّاب أن يستعدوا لتأليف روايات أشد غرابة وأكثر تشويقا من »آلموت« بارتول، فما يستخدمه »شيوخ الجبل« الجدد مع أتباعهم من المجاهدين المُغيَّبين اليوم، يبدو لنا أشد تأثيرا من الحشيش الذي استخدمه »شيخ الجبل« القديم مع فدائييه المُخدَّرين قبل أكثر من تسعمئة عام، لأن ما يفعله هؤلاء الأتباع هذه الأيام يفوق الخيال والاحتمال.