معظم الاجتهادات الرامية لتبصر الأسباب الحقيقية لأحدث جولات العدوان الدموي الإسرائيلي ضد قطاع غزة، انتهت إلى الفشل. فإن قيل إننا بصدد حملة انتقامية يرد بها الجيش الإسرائيلي اعتباره، بعد مقتل الفتية الثلاثة الذين »اختطفوا« في الخليل، كان الرد هو ولماذا لم تستهدف الضفة ولاسيما محافظة الخليل؟
المؤكد أننا نألم لتعرض أي شبر من أرض فلسطين أو أي فرد من أبنائها لأي اعتداء إجرامي. غير أن التكهن هنا يتعلق بالمنطق. هذا مع العلم أن الغموض يحيط بواقعة الاختطاف والمختطفين إياهم؛ الذين وجدوا مقتولين في المنطقة (سي) من الضفة التي تخضع بكاملها للسيطرة الأمنية الإسرائيلية. الأقرب للصدقية لدينا، إلى أن تستبين ملابسات هذه القضية، هو أن هؤلاء الفتية تعرضوا لعملية »إخفاء« أكثر من خضوعهم للاختطاف.
ومن بين ما اتضح حتى الآن أن إسرائيل كانت تعلم بمقتلهم فور اختفائهم، لكنها آثرت الصمت على هذه الحقيقة، كي تسمح لنفسها بقتل 7 واعتقال أكثر من 600 من أبناء الضفة والقيام بمئات المداهمات والتوغلات قبل الالتفات لقصف غزة. القصد أن إسرائيل كانت قد سعت إلى الانتقام بالفعل لحادثة الخليل المريبة، فما معنى حربها على غزة؟
وفي السياق، لا تملك إسرائيل تبرير عدوانها على غزة، بخرق حركة حماس وأخواتها من الفصائل الفلسطينية للتهدئة المبرمة منذ عامين. فالإسرائيليون الذين يرصدون دبة النملة في غزة، يعلمون أن حماس تسيطر تماماً على السلاح واستخداماته هناك، وأنها لم تكن في وارد السماح باستدراجها إلى مواجهة لا تريدها في هذا التوقيت.
القياسات العقلانية والمنطقية تشي بوجود شيء ما محير في أمر هذا العدوان. غير أن العارفين بأحوال العقيدة القتالية العدوانية لإسرائيل، بوسعهم إلقاء الأسئلة التالية: منذ متى كانت هذه الدولة بحاجة إلى مبررات ومحاججات مقبولة ومفهومة لممارسة اعتداءاتها على الفلسطينيين بعامة وقطاع غزة بخاصة؟ أوليست قصة الصراع الممتد على أرض فلسطين، سوى بعض تجليات الغزوة الصهيونية بخصائصها العدوانية والتوسعية، والعمل عموماً خارج أطر القوانين والمثل السماوية والوضعية ؟عند التدبر في الاعتداءات الإسرائيلية، لا يجب أن نرهق أنفسنا بالبحث عن أسباب ودواعي من النوعية التي يقبلها أصحاب العقول السليمة والاستقامة الأخلاقية.
التزام الإسرائيليين بحياة التربص والخوف من الملاحقات التاريخية والحقوقية، والهواجس التي ترهقهم على خلفية جرائمهم بحق الفلسطينيين، تجعلهم يحسبون كل صيحة عليهم؛ يعيشون وأيديهم على الزناد وينامون بنصف عين. والأهم أن هذه الوضعية البائسة تسوقهم للأخذ بالضربات الاستباقية والمعارك الإجهاضية.
وهذه المصطلحات الأخيرة ليست سوى مسميات كودية لممارسة الاعتداءات على الآخرين بلا أسباب ظاهرة. إسرائيل دأبت على خوض جولات عدوانية كبرى أو محدودة كل بضع سنين. كما نتأكد من أن قطاع غزة ناله نصيب وافر من هذه السياسة العدوانية الاستفزازية، ولاسيما خلال العقدين الأخيرين. وفى حروبها هذه، تجد إسرائيل أكثر من فائدة وتتوخى تحقيق أكثر من هدف. فهي تختبر جهوزيتها العسكرية وتشحذ أسلحتها، وتستطلع قدرات القوى الفلسطينية، ولاسيما القطاعات التي مازالت أمينة على وسائل المقاومة المسلحة.
قدر قطاع غزة أنه ظل منذ أيام النكبة الفلسطينية الأولى ساحة للشد والجذب وعمليات عض الأصابع، بين إسرائيل من جهة والفلسطينيين والعرب من جهة أخرى. وبقدر إعجابنا بغزة التي تؤكد مجدداً أنها رمز العزة فلسطينياً وعربياً، فإننا نحار في تفسير تصميم إسرائيل على تجريب المجرب، وهو أنها بصدد منطقة عصية على التطويع والتركيع.. ولكن جانباً كبيراً من هذه الحيرة يزول، حين نستأنس بقوله تعالى: »ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون«.