ها قد مضت خمسة أسابيع على نجاح تنظيم داعش والقوى المتحالفة معه، في الاستيلاء بسهولة تامة تدعو للاستغراب، على مساحات واسعة من العراق تضم محافظة نينوى ومدناً عدة في محافظات أخرى. وفي الوقت الذي تواجه القوات الحكومية صعوبات كبيرة في سعيها لاستعادة هذه المدن، رغم استفاقتها من هول الصدمة، نرى أن زخم هجوم داعش وحلفائها قد خفت حدته كثيراً، ربما إلى أن يحدث اختراق كبير آخر يجري التحضير له، وهو أمر مرجح.

مقابل ذلك دخل العراق في أزمة جديدة مع التعثر في تنفيذ استحقاقات العملية الانتخابية، التي أفرزت مجلساً نيابياً جديداً واجه بعض الصعوبات في انتخاب هيئة رئاسته، إذ حرصت الكتل المنتظمة فيه على تحصين نفسها ضد بعضها، وكأن ما يجري في نصف الأراضي العراقية التي أصبحت خارج سيطرة الحكومة، لا يعنيها في شيء.

لا شك أن تنفيذ الاستحقاقات الشكلية للعملية الانتخابية لا يقدم حلاً ناجعاً لإنقاذ العراق من المصير الذي ينحدر إليه، فالقوى التي أوصلت العراق إلى حافة الهاوية التي هو على وشك السقوط فيها، لا تزال تمسك بتلابيب العملية السياسية، ولم تقدم، بل ليس لديها ما تقدمه مغايراً لما طرحته ونفذته من سياسات فاشلة غير مسؤولة على مدى السنوات المنصرمة، من تخندقات طائفية أوصلت العراق إلى حالة لا مفر من مواجهتها، وهي الخيار بين "الإنقاذ" والقبول بما يتطلبه من إجراءات جذرية، أو "التقسيم" والإذعان لما يترتب عليه من ويلات.

إن القوى السياسية صاحبة القرار لا تريد أن تعترف بأن العراق لن يعود إلى ما كان عليه قبل التاسع من يونيو 2014، فما هو مطروح لمعالجة هذه الأزمة الخطيرة هو الحل العسكري فقط..

وهو ما ليس بقدرة الحكومة حسمه دون مساعدة خارجية ربما لن تتلقاها في وقت قريب. فتنظيم داعش أصبح قوة لا يستهان بها، يجد بسهولة ودون عناء كبير حواضن له في منطقة الشرق الأوسط، وقد امتلك مصادر مالية كبيرة وأسلحة متوسطة وثقيلة وعتاداً يكفيه لخوض معارك قادمة، ويمكنه تجنيد الكثيرين لصفوفه في ضوء عوامل الإحباط غير العادية التي يمر بها معظم شعوب المنطقة.

موقف الولايات المتحدة من الأزمة يسبب بعض الالتباس، إذ لم تكن خافية عليها التحضيرات التي كانت تجريها داعش قبيل اجتياح الموصل بشهور عدة، وحرصت على البقاء في موقف المتفرج لأنها غير راغبة في الدخول في عمليات عسكرية جديدة في المنطقة، فتدخلها في العراق فتح المنطقة كلها على بوابة صراعات قد لا تنتهي لسنوات مقبلة.

من جانب آخر قد يرى البعض أن الولايات المتحدة أغمضت عينيها عما سيقع وسمحت بوقوعه، لأن ذلك من شأنه أن يخدم مصالحها، خاصة وهي تخوض مفاوضات شاقة مع إيران التي ترى أن نفوذها القوي في العراق ليس منفصلاً عن برنامجها النووي، خاصة أن ما حصل قد أبان أن حلفاءها في بغداد ليسوا بالقوة التي تخدمها كورقة ضغط في مفاوضاتها مع الغرب.

وتعمل الولايات المتحدة على مقاربة الأزمة، بزيادة الضغوطات على القوى السياسية العراقية عقب إعلان نتائج الانتخابات النيابية، دون نجاح يذكر. فما حصدته حتى الآن ليس غير الفشل، إذ يبدو أنها لم تقدر بشكل سليم حجم دورها السياسي والدبلوماسي في العراق، فقد أخفقت في تسويق وجهة نظرها حول تشكيل حكومة شاملة تضم جميع الأطراف، وهي دعوة تتعارض مع ما حرص رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي على الترويج له، وهو حكومة أغلبية سياسية..

كما فشلت في إقناع الكتل الأخرى بتقريب وجهات نظرها وتشكيل كتلة واحدة تتفوق في عددها على كتلة دولة القانون التي يتزعمها المالكي، وهي الكتلة الأكبر في المجلس النيابي الجديد.

والمقاربة الأميركية ذات طابع شكلي، وتأتي من الرغبة القوية لدى إدارة الرئيس أوباما في الانشغال بالحد الأدنى بالشأن العراقي، فهي لا تهدف إلا إلى ترميم العملية السياسية ليس غير، لأنها تتجنب التطرق إلى جوهر الفشل، ومن هذا المنطلق فهي مقاربة لترحيل الأزمة إلى وقت لاحق. هناك مخرج واحد فقط للعراق، للخروج من الأزمة موحداً وبالحد الأقل من الخسائر..

وهو تبني رؤية سياسية جديدة جوهرها مشروع وطني لا يعول على هذا الجار أو ذاك، بل يعمل على إعادة اللحمة للمجتمع العراقي الذي قسمته سياسات التمييز والتهميش والتدخلات الإقليمية على مدى السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي، وتشكيل حكومة جديدة من التكنوقراط، بعيدة عن المحاصصة الطائفية والعرقية وتعتمد مبدأ المصالحة الوطنية، عن طريق إجراء تعديلات مهمة في الدستور، وإلغاء بعض القوانين التي سنت والتي أصبحت عامل إعاقة للمصالحة.

وفي هذه الحالة يستطيع العراق التخلص من تنظيم داعش بقدراته الذاتية، دون الحاجة لتدخل خارجي. خلافاً لذلك، ستنحدر الأوضاع في العراق إلى المزيد من التدهور ويصبح التدخل الخارجي تحصيل حاصل، وفي هذه الحالة فإن القوة الوحيدة القادرة على الحسم من جهة ..

ولا يثير تدخلها حساسيات دينية ومذهبية من جهة ثانية، هي الولايات المتحدة التي ترتبط مع العراق باتفاقية الإطار الاستراتيجي التي لا تخلو من شق أمني، إلا أنه من ناحية ثانية إذا كانت الولايات المتحدة ستستمر في عزوفها عن الشأن العراقي فإن التدخلات سوف تحصل من جهات إقليمية أخرى، وتتخذ منحى يتحول الصراع في العراق وفقه إلى صراع طائفي لا أول له ولا آخر، والخاسر الوحيد هم العراقيون.