هي الذكرى العاشرة إذاً، ليوم ترجّل فيه الفارس، والأب، والباني، والزعيم، والقائد، وصانع الاتحاد، ومؤسس الدولة، المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وغفر له، وجعل الجنة مثواه.
نقول هي الذكرى العاشرة، ولكننا جميعا ًندرك أن ألم الفراق لا يزال كما هو، وأن حزننا على وداع أبي خليفة لا يزال كما لو كان، رحمه الله، ارتحل عنا إلى الدار الآخرة اليوم! لكنها السنين، التي لا تتوقف عن المسير وتحمل معها ذكرياتنا عن الرجل الذي وحدّ الله به قلوبنا، وديارنا، وأحلامنا، مثلما وحّد على يديه إماراتنا في دولة واحدة فتية قوية متماسكة.
والحقيقة أن إرث رجل مثل المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ليس إرثاً يمكن نسيانه، لا على صعيد الشخص نفسه، رحمه الله رحمة واسعة، ولا على صعيد الأب، أو رئاسته للدولة أو حكمة لإمارة أبوظبي، ولا على صعيد علاقاته العربية والدولية، التي جعلت من الإمارات نجماً يحتل الصفوف الأولى حين تصنف الدول على أساس أخلاقي، لا على أساس العضلات المسكرة، فالرجل الذي نشأ في بيئة بدوية صعبة بين ليوا والعين، وكان ممثلاً للحاكم في العين فترة ليست قصيرة، أدرك منذ البداية أن نجاح الدولة في تحقيق أهدافها التنموية لن يتحقق إلا بالخروج من الصندوق التقليدي لعمل الدول في المنطقة، والتفكير بمسار جديد قائم على الابتكار والتحديث والتنمية المتوازنة.
لذلك لم يكن مستغرباً من رجل بهذا التفكير أن يرفض توصية الخبراء الأجانب باستحالة زراعة الخضراوات في الدولة، ويصر على البحث عن البدائل المناسبة، فكانت النتيجة أن وصل إنتاج الدولة من الخضراوات والفواكه المزروعة محلياً، إلى مستويات لم يكن يتصورها كثيرون ممن لم يعرفوا معدن هذا الرجل.
ولعل مثال الزراعة يكشف عن بعد نظر المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد، ورؤيته الثاقبة لمعاني بناء الدولة في مسارها الطويل، لأن توفير مصادر الغذاء المتكامل محلياً وعدم الاعتماد كلياً على المصادر المستوردة، واحد من أهم مصادر استقلال الدول الحديثة، وحماية إرادتها الوطنية، وإبعادها عن عمليات الابتزاز السياسي، والمغالبة الاقتصادية، لكن حكمة الشيخ زايد لم تقف عند هذه الحدود، فقد حرص، رحمه الله، على بناء ما هو أهم من الزراعة والصناعة والاقتصاد، ألا وهو المواطن الإماراتي، ولذلك وجدنا التوسع الطبيعي في المدارس، ومؤسسات التعليم في عهده، رحمه الله، وكذلك التوسع في ابتعاث الطلاب والطالبات للدراسات التخصصية خارج الدولة، هذا فضلاً عن التركيز على الدراسات التخصصية داخل الدولة، مثل كليات التقنية العليا.
وربما يكون الشيخ زايد أول حاكم في العالم المعاصر وضع المقدرات المالية للدولة في خدمة أبناء وطنه، من دون شعارات ولا بهرجة، وإنما تطبيق عملي، كيف ولا وهو الذي انتفض في أوائل سنوات الاتحاد، حين علم أن هنالك مواطنين يستأجرون منازلهم، واستمر حتى وفاته، يرحمه الله، يعتبر المواطن الإماراتي محور عملية التنمية، وركيزتها الأساسية، فحرص على تعميم برامج الإسكان والتعليم والزواج والتوظيف، حتى ندر أن تجد مواطناً لم يستفد من هذه البرامج بشكل أو آخر.
وإذا كان هذا هو زايد في علاقته بأبناء وطنه، فإنه لم يكن أقل حرصاً على الإنسانية خارج الدولة، ولعل أبرز مثال على ذلك المشروعات العمرانية المستدامة التي أقامها، رحمة الله عليه، في أكثر من بلد، بدءاً من إعادة بناء سد مأرب الاستراتيجي في اليمن الشقيق، وبناء مدن سكنية متكاملة في دول عربية للمساعدة في حل مشكلات الإسكان كما في البحرين ومصر، إضافة إلى الدعم المباشر للمشروعات التنموية في العديد من الدول، لكن هذا كله لم يمنع المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد من تفقد أحوال الفقراء وبسطاء الناس، سواء من خلال أنشطة مؤسسية تتبع لمكتبه مباشرة، كما هي حال كفالته آلاف الأيتام أو الاستجابة لأحوالهم حين يقدمون طلباً للمساعدة في حله، أو في ترحاله.
لقد كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، قمة سامقة في مجال العطاء الإنساني وعمل الخير، ومدرسة في إعلاء قيمة الإنسان، بعيداً عن اعتبارات المادة أو المصلحة أو السياسة، ولذلك لم يكن غريباً أن تبادر قيادتنا السياسية بتقدير ذلك من خلال تخصيص يوم لتكريم العمل الإنساني الإماراتي في ذكرى رحيل الأب المؤسس، رحمه الله عنا. وقد كان لنا في مؤسسة وطني الإمارات، الشرف بالتقاط هذه الإشارة، من خلال جوائز مؤسسة وطني الإمارات للعمل الإنساني، التي نهدف منها إلى تكريم ذكرى زايد، وتكريم من ساروا على درب زايد في العطاء والبذل والعمل الإنساني بنفحاته المتميزة، وإن كنا لا نكافئ أعمالهم بقدر ما نحتفي بالرسالة السامية التي مثّلها كل واحد منهم في مسيرته الغنية والحافلة بالعمل الإنساني المعطاء.
ولعله من الطبيعي أن يأتي الاحتفال بجوائز مؤسسة وطني الإمارات للعمل الإنساني، متزامناً مع الذكرى العاشرة لرحيل مؤسس دولتنا الغالية المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، فهذا القائد الحكيم والأب المؤسس كان مدرسة في الإنسانية والعطاء والخير، ليس فقط لأبناء وطنه، وإنما وصلت أيادي زايد البيضاء لكل مكان وإنسان على وجه الأرض.
إن كل ما تعلمناه من الشيخ زايد هو قيم وممارسات وصفات أحبها فينا، وأرادنا أن نكمل بها على الصعيدين المحلي والدولي، فإذا كان العمل الإنساني هو ما كان يحبه زايد فنحن على يقين بأن هذا ما يريده منا خليفته السامي، لذا سنسعى جاهدين لأن نرسي تلك القيم والمعاني في بصمات الجائزة، وذلك لتفخر بنا قيادتنا الرشيدة، ولتسمو تلك القيم في ميزان حسنات والدنا المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
إننا في جائزة وطني الإمارات للعمل الإنساني، ونحن نستجمع هذه المعاني النبيلة كلها، لنكرم كوكبة من فرسان العطاء والعمل الإنساني من أبناء ومؤسسات الدولة، فإننا نحتفي في الواقع بما أنجزته هذه الدولة من بناء شخصيات قيادية وانتماء وطني وتلاحم مجتمعي، وأمن وأمان وأمل وعِلم وفكر وخير وثقافة وإعلام، فالمنجز الوطني الإماراتي كلٌّ متكاملٌ لا يتجزأ، وإذا فاض فإنه يفيض بالخير العميم امتثالاً لقوله تعالى في محكم التنزيل:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (النحل: 97).
ومن المنطق والإنصاف أن نقول، إنه رغم مرارة الفراق، فإن زايد باق فينا، بإذن الله، باق فينا من خلال سمو الشيوخ أبنائه الكرام، وفي مقدمتهم خليفته صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإخوانهما الكرام، فقد ورثوا جميعاً عن والدهم الجليل صفاته الحميدة من كريم الخلق، وكرم اليد، وسماحة النفس، وقيادة الأمة، ومحبة الناس.
والحقيقة أن عزاءنا كان فيهم كبيراً بكبر ما ورثوه عن والد الجميع من صفات قيادية، جعلتهم يواصلون سيرته العطرة فينا، سواء في الحكم أو التواصل أو في رعاية الناس، والسهر على بناء البلد وتنميتها، فجزى الله زايد عنا الخير الجزيل، على ما بنى، وعلى من ربّى.
ولا أشك لحظة في أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إنما كان يتحدث بقلب ولسان كل واحد فينا، مواطنين ومقيمين، في أبياته التي رثى فيها الأب المؤسس قائلاً:
نَـمْ قَريــــرَ العيــنِ بَعْـــدَ التَّعَــبِ
يــا أبــي الأكــبرِ مِــنْ بَعْـــدِ أبـي
صـــانعُ المَجـــــدِ ورُبَّـــانُ العُـــلا
وفَتَـــى الخيــــرِ وزاكــي النَّسَــبِ
أنْــتَ مـا كُنــتَ لشَـــعبي قائــداً
بــلْ زَعيمــــاً لجميــــعِ العَــــرَبِ